مع كثرة المشروبات الساخنة التي نتناولها يومياً، برز نجم لامع خلال السنوات الأخيرة من الشرق الأقصى يعرف باسم “شاي الماتشا”، هذا المشروب الذي يتميز بلونه الأخضر الفريد كان حكراً فقط على الرهبان البوذيين في دولة اليابان ولكن أصبح اليوم ظاهرة عالمية منتشرة في معظم المقاهي وتعد من أبرز قوائم المشروبات الصحية، فما هي قصة هذا الشاي السحري؟ وماذا يميزه عن باقي أنواع الشاي؟ وما هي فوائده الصحية التي جعلته محط اهتمام وأنظار الكثير من الباحثين وخبراء التغذية؟، تابعونا لمزيد من التفاصيل.
أصول الشاي التاريخية
يعود تاريخ شاي الماتشا إلى القرن الثاني عشر الميلادي، عندما أحضره الرهبان البوذيون من الصين إلى اليابان. كان الرهبان يستهلكونه خلال فترات التأمل الطويلة لمساعدتهم على البقاء في حالة يقظة وتركيز . سرعان ما تحول هذا المشروب إلى جزء لا يتجزأ من الثقافة اليابانية، وخاصة في مراسم الشاي المعروفة باسم “تشانويو” التي تعكس قيماً عميقة في المجتمع الياباني .
سر اللون الأخضر الفريد
يتميز شاي الماتشا بلونه الأخضر الفريد الذي يختلف عن الشاي الأخضر العادي. هذا اللون ناتج عن طريقة زراعة خاصة، حيث يتم تغطية نباتات الشاي قبل حصادها بحوالي 20-30 يوماً لتحجب عنها أشعة الشمس المباشرة . هذه العملية تزيد من إنتاج الكلوروفيل في الأوراق، مما يعطيها ذلك اللون الأخضر الداكن، ويزيد من محتواها من الأحماض الأمينية ومضادات الأكسدة .
فوائد صحية مذهلة
يتمتع شاي الماتشا بمجموعة واسعة من الفوائد الصحية التي تجعله مميزاً:
- مضادات الأكسدة القوية: يحتوي الماتشا على مضادات أكسدة أكثر بـ10-20 مرة من الشاي الأخضر العادي . هذه المضادات تحمي الخلايا من التلف وتقلل خطر الأمراض المزمنة.
- تعزيز صحة القلب: أظهرت الدراسات أن الماتشا يساعد في خفض الكوليسترول الضار ورفع الكوليسترول الجيد، مما يفيد صحة القلب .
- تحسين الوظائف الدماغية: بفضل مزيج الكافيين والثيانين، يحسن الماتشا الذاكرة والانتباه ووقت رد الفعل .
- المساعدة في إنقاص الوزن: يعزز الماتشا عملية التمثيل الغذائي وحرق الدهون، حيث تشير الدراسات إلى أنه قد يزيد معدل حرق الدهون بنسبة 17-20% عند ممارسة الرياضة .
- حماية الكبد: يساعد الماتشا في إزالة السموم من الجسم ويحمي الكبد من التلف .
- تحسين المزاج والاسترخاء: يحفز الثيانين الموجود في الماتشا إنتاج موجات ألفا في الدماغ، مما يعزز الاسترخاء دون النعاس .
طريقة تحضير الشاي التقليدية
يختلف تحضير شاي الماتشا عن الشاي العادي. في الطريقة التقليدية اليابانية، يتم استخدام أدوات خاصة مثل “الشقاي” (وعاء صغير) و”الشقين” (فرشاة من البامبو) . تبدأ العملية بغربلة مسحوق الماتشا، ثم إضافة الماء الساخن (ليس مغلياً) وتحريكه بسرعة لتكوين رغوة على السطح . أما في الطريقة الحديثة، فيمكن استخدام الخلاط الكهربائي للحصول على نفس النتيجة بسهولة .
أضرار شاي الماتشا
على الرغم من فوائده العديدة، هناك بعض المحاذير المرتبطة باستهلاك شاي الماتشا:
- محتوى الكافيين: يحتوي على كمية أكبر من الكافيين مقارنة بالشاي الأخضر العادي، مما قد يسبب الأرق أو القلق عند بعض الأشخاص .
التفاعل مع الأدوية: قد يتفاعل مع أدوية ضغط الدم والاكتئاب . - الحمل والرضاعة: ينصح بتجنبه في الأشهر الأخيرة من الحمل وفترة الرضاعة بسبب محتواه من الكافيين .
على معدة فارغة: قد يسبب اضطرابات في المعدة إذا شُرب صباحاً قبل الفطور .
ظاهرة عالمية
من اليابان إلى العالم، تحول شاي الماتشا من مشروب تقليدي إلى ظاهرة عالمية. لم يعد يقتصر على المشروب الساخن التقليدي، بل دخل في صناعة الحلويات، والآيس كريم، وحتى مستحضرات التجميل. تزايد الاهتمام به عالمياً بنسبة 202% بين عامي 2015 و2018 حسب بعض الإحصاءات، وأصبح رمزاً للصحة والرفاهية في الثقافة المعاصرة.
شاي الماتشا ليس مجرد مشروب عابر، بل هو تراث ثقافي ياباني عريق توجّه حديثاً بلبوس العلم والفوائد الصحية. بين الأصالة والحداثة، بين التقليد والابتكار، يستمر هذا المشروب الأخضر في فرض نفسه كخيار صحي ذكي في عالم يبحث عن التوازن بين المتعة والفوائد. ربما يكون سرّ الشعب الياباني المعمر يكمن في هذا الكنز الأخضر الذي اكتشفه الرهبان قبل قرون، وأصبح اليوم متاحاً للعالم أجمع.