ستختتم بطولة كأس العالم 2026 بمواجهة بين الفريق الأكثر تنظيماً في البطولة ومجموعة لا تزال تضع ثقتها في لاعب يمتلك القدرة على حسم المباراة أكثر من أي شخص آخر.
بعد 103 مباريات في النسخة الأولى من كأس العالم التي ضمت 48 فريقاً، لم يكن وصول الفريقين إلى المباراة النهائية مفاجأة. فقد كان منتخبا إسبانيا والأرجنتين الأكثر ثباتاً في الأداء خلال الشهر الماضي، لكنهما وصلا إلى النهائي عبر مسارين مختلفين تماماً.
انتصر أحد الفريقين على خصمه بنظام تكتيكي شبه مثالي. أما الفريق الآخر، فقد كاد أن يخسر مرارًا وتكرارًا قبل أن ينقذه تألق ليونيل ميسي .
ولهذا السبب أيضاً، فإن المباراة النهائية على ملعب ميتلايف (الولايات المتحدة الأمريكية) في تمام الساعة الثانية صباحاً يوم 20 يوليو ليست مجرد سباق للفوز بالكأس الذهبية، بل هي أيضاً اختبار لمعرفة ما إذا كانت كرة القدم الحديثة تعتمد على فريق مثالي أم أنها لا تزال تتسع لعبقري قادر على تغيير مجرى أي مباراة.
الآلة المسماة إسبانيا
إذا كان علينا اختيار الفريق الأكثر إقناعاً في البطولة، فإن إسبانيا ستكون بلا منازع تقريباً.
بعد تعادل سلبي أمام الرأس الأخضر في مباراتهم الافتتاحية، قدّم فريق لويس دي لا فوينتي أداءً متطوراً. لم يستقبلوا أي هدف طوال البطولة، وهدفاً واحداً فقط في سبع مباريات. والجدير بالذكر أن هذا التماسك لم ينبع من خطة دفاعية متكتلة، بل من قدرتهم على السيطرة على مجريات اللعب.
ظل رودري محور ذلك النظام. أكمل لاعب وسط مانشستر سيتي 655 تمريرة، وهو الرقم الأعلى في كأس العالم منذ بدء جمع البيانات عام 1966. لكن قيمته لم تقتصر على التمريرات فحسب، بل تصدّر رودري البطولة أيضاً في الضغط العكسي الناجح، مما جعل فقدان إسبانيا للكرة لا يدوم سوى ثوانٍ قبل استعادة السيطرة.
هذه هي هوية الفريق ذي القمصان الحمراء. فهم لا يستحوذون على الكرة لإضاعة الوقت، بل يستخدمون التمريرات الطويلة لإرهاق الخصم واستنزاف طاقته.
تُظهر الإحصائيات أن إسبانيا نفّذت في المتوسط 28 تمريرة مركبة من تسع تمريرات أو أكثر في كل 90 دقيقة، وهو أعلى معدل في كأس العالم. ومع بدء إرهاق الخصوم من مطاردة الكرة، ظهرت مساحات أكبر.
ما يُميّز إسبانيا عن أجيال التيكي تاكا السابقة هو قدرتها على الانطلاق السريع في اللحظة المناسبة. حوالي 31% من هجماتهم تنتهي بدخول الكرة منطقة جزاء الخصم، مما يُثبت أن فريق دي لا فوينتي يعرف متى يُسيطر على الكرة ومتى يُوجّه الضربة القاضية.
يُدار هذا النظام أيضاً بواسطة لاعبين شباب يتمتعون بنضج كبير. أكمل باو كوبارسي، البالغ من العمر 19 عاماً فقط، 550 تمريرة، محتلاً المركز الثاني في البطولة. وقدّم قلب دفاع برشلونة أكثر من 22 تمريرة بينية في المباراة الواحدة بدقة تصل إلى 94%، محولاً دفاع إسبانيا إلى نقطة انطلاق لكل هجمة.
على الأطراف، يُشكّل مارك كوكوريلا وبيدرو بورو تهديدًا إضافيًا. فهما يتبادلان المراكز باستمرار، ويتقدمان للأمام أو يخترقان من العمق، مما يُصعّب على الخصوم تحديد من يحتاج إلى مراقبته. سجّل بيدرو بورو هدفين في كأس العالم وأكمل ست تمريرات ثنائية ناجحة، ليحتل المركز الثاني بعد كيفن دي بروين، ولياندرو تروسارد، وعثمان ديمبيلي.
الأهم من ذلك، أن هذا الفريق يتمتع بتفاهمٍ فطريٍّ بين لاعبيه. سبعة من اللاعبين الذين شاركوا أساسيين ضد فرنسا كانوا قد شاركوا أيضاً في الفوز على إنجلترا في نهائي بطولة أمم أوروبا قبل عامين. عمل لويس دي لا فوينتي مع العديد من لاعبي فرق الشباب، مما منح إسبانيا مستوىً من التفاهم قلّما تجده في المنتخبات الوطنية.
وقد مهد ذلك الطريق أمامهم لدخول المباراة النهائية كفريق ذي تصنيف أعلى.
عندما تؤدي جميع الطرق في الأرجنتين إلى ميسي
لم تُظهر الأرجنتين نفس الشعور بالسيطرة الذي أظهرته إسبانيا. فقد تعثر حامل اللقب عدة مرات، بل وتأخر في النتيجة، لكنه كان يعرف دائماً كيف يعود بقوة في اللحظات الحاسمة.
هذه ميزة لا يمكن قياسها بنسبة الاستحواذ على الكرة أو عدد التمريرات.
على عكس إسبانيا، ركزت الأرجنتين هجماتها مباشرةً من وسط الملعب. فقد استحوذت على أعلى نسبة لمسات في منطقة وسط ملعب الخصم خلال البطولة، وأكملت 40 تمريرة بينية، أكثر من أي فريق آخر. وكانت تمريرات إنزو فرنانديز، وأليكسيس ماكاليستر، وجوليان ألفاريز، وميسي تهدف دائمًا إلى اختراق دفاع الخصم ببضع لمسات بدلاً من بناء الهجمات المطولة.
بالطبع، لا تزال كل تلك الأنظمة تدور حول ميسي.
رغم بلوغه التاسعة والثلاثين من عمره، ساهم قائد منتخب الأرجنتين في 12 هدفاً، منها ثمانية أهداف وأربع تمريرات حاسمة. وصنع 33% من فرص الفريق، وسدد 29% من التسديدات غير الركلات الترجيحية، ولمس الكرة 19% من مراتب الثلث الهجومي من الملعب.
تُظهر هذه الأرقام أن الأرجنتين لا تزال تعتمد بشكل كبير على قائدها. ولكن على عكس العديد من الفرق التي تعتمد على نجمها بطريقة سلبية، غالبًا ما يُقدّم ميسي الحل الأمثل في اللحظة المناسبة.
تُعدّ التمريرتان الحاسمتان في نهاية مباراة نصف النهائي ضد إنجلترا مثالاً واضحاً على ذلك. فعندما بدا أن المباراة في صالح الخصم، لم يحتج ميسي إلا لبضع لحظات ليُغيّر مجرى المباراة تماماً.
الأرجنتين فريقٌ يتألق في الدقائق الأخيرة. فقد سُجّل 12 هدفًا من أصل 19 هدفًا بعد الدقيقة 75، تسعة منها غيّرت مجرى المباراة تمامًا. لذا، لا يجرؤ أي منافس على الاعتقاد بأنه في مأمن حتى صافرة النهاية.
إذا كانت إسبانيا تمتلك الهيكل التكتيكي الأكثر اكتمالاً في كأس العالم، فإن الأرجنتين كان لديها لاعبون يعرفون كيفية اختراق أي هيكل من هذا القبيل.
لذا، فإن المباراة النهائية ليست مجرد مواجهة بين أقوى فريقين في البطولة، بل هي نقاش حاد في كرة القدم الحديثة. فمن جهة، يؤمن أحد الفريقين بقوة العمل الجماعي، بينما لا يزال الفريق الآخر يعتقد أن العبقرية قادرة في المباريات الكبرى على تغيير النتيجة بشكل يخالف كل التوقعات.
بحسب نموذج التنبؤ الخاص بموقع ” ذا أثليتيك “، تبلغ احتمالية فوز إسبانيا بالبطولة 59%، بينما تبلغ احتمالية فوز الأرجنتين 41%. لكن الإحصائيات لا تعكس سوى الاحتمالات. وفي المنتخب الجنوب أمريكي، لا يزال هناك لاعب واحد تُصبح الأرقام بالنسبة له غير ذات دلالة في بعض الأحيان.
من المحتمل أن تكون هوية ذلك النجم، الذي يعتبر “الأعظم على مر العصور”، معروفة للجميع!
المصدر:
