إسبانيا و”ضربتها القاضية” للأرجنتين

إسبانيا و”ضربتها القاضية” للأرجنتين
كان ميسي معزولاً تماماً وضائعاً أمام الدفاع الإسباني. الصورة: أسوشيتد برس.

وجهت إسبانيا ضربة قاصمة للأرجنتين في المباراة النهائية.

قبل نهائي كأس العالم 2026، التقى منتخبا الأرجنتين وإسبانيا 14 مرة في التاريخ. فاز كل فريق في 6 مباريات، وانتهت المباراتان المتبقيتان بالتعادل. لم يقتصر التساوي على عدد مرات الفوز فحسب، بل كان فارق الأهداف بين الفريقين متقاربًا للغاية أيضًا، حيث سجلت إسبانيا 19 هدفًا، بينما سجلت الأرجنتين 18 هدفًا.

على الرغم من اعتبارها الفريق الأقل حظاً، دخلت الأرجنتين المباراة النهائية بثقة ومعنويات عالية بعد عودتها المذهلة ضد منافستها اللدودة، إنجلترا، في الدور نصف النهائي.

كان ميسي معزولاً تماماً وضائعاً أمام الدفاع الإسباني. الصورة: أسوشيتد برس.

ظل ليونيل ميسي محور كل هجمة، إلى جانب لاعبين مميزين مثل جوليان ألفاريز ، وإنزو فرنانديز، وأليكسيس ماكاليستر، ورودريغو دي بول. اعتقد الكثيرون أن خبرة وهدوء “الألبيسيليستي” سيساعدهم على التغلب على إسبانيا الشابة. إلا أن الواقع على أرض ملعب ميتلايف كان مختلفًا تمامًا.

منذ الدقائق الأولى، أظهرت إسبانيا عدم نيتها تحويل المباراة النهائية إلى مباراة هجومية مفتوحة. بدلاً من ذلك، بنى “لا روخا” هجماتهم بهدوء من نصف ملعبهم، منفذين تمريرات قصيرة وسريعة، ومُرهقين دفاع الأرجنتين باستمرار. لم يكونوا في عجلة من أمرهم للتسجيل، مُفضلين السيطرة على الكرة، لأن المدرب لويس دي لا فوينتي أدرك أن أفضل طريقة لتحييد فريق قوي هي حرمانه من فرص اللعب.

سيطرت إسبانيا سيطرة تامة على خط الوسط طوال معظم المباراة. لعب رودري دور الركيزة الأساسية بفضل مهاراته الممتازة في استعادة الكرة وتوزيعها، بينما برز بيدري كعقل مدبر يتحكم في إيقاع اللعب. وضغط الجناحان، لامين يامال وأليكس باينا، باستمرار بفضل سرعتهما الخاطفة، مما أجبر الدفاع الأرجنتيني على التراجع والتحرك باستمرار. كانت كل تمريرة من “لا روخا” هادفة، وكل حركة بدون كرة استنزفت طاقة وتركيز الخصم.

كان الأمر الأكثر إثارة للرعب هو أن إسبانيا لم تكن بحاجة لخلق فرص خطيرة كثيرة لفرض أسلوب لعبها. فقد أجبرت الأرجنتين على مطاردة الكرة باستمرار طوال معظم المباراة. الفريق المعروف بهجماته المرتدة السريعة، كاد يعجز عن شن هجمات مرتدة لمجرد عدم استحواذه على الكرة. عندما يدافع فريق باستمرار، تتلاشى تدريجيًا جميع نقاط قوته في التنظيم أو الهجمات المرتدة. هذا النوع من الانتصارات لا يُنهك قوة الخصم البدنية فحسب، بل يُضعف معنوياته دقيقة بدقيقة.

قد يعجبك أيضاً

1784597853 390 إسبانيا وضربتها القاضية للأرجنتين
فازت إسبانيا بالبطولة بطريقة مقنعة تماماً. الصورة: أسوشيتد برس.

خلال دقائق المباراة النهائية الـ 120، استحوذت إسبانيا على الكرة بنسبة 68% وسددت 20 تسديدة، 11 منها على المرمى. في المقابل، لم تسدد الأرجنتين سوى 3 تسديدات، جميعها خارج المرمى. والجدير بالذكر أن “الألبيسيليستي” أصبح أول فريق في التاريخ لا يسدد أي تسديدة على المرمى طوال 90 دقيقة من المباراة النهائية.

رغم سيطرة إسبانيا على مجريات المباراة، إلا أن المدرب لويس دي لا فوينتي حقق انتصاراً ساحقاً في المعركة التكتيكية ضد ليونيل سكالوني. قبل المباراة، توقع الكثيرون أن تُكلف إسبانيا لاعباً بمراقبة ميسي مراقبة لصيقة، كما فعلت العديد من الفرق سابقاً. لكنّ المدرب الإسباني اختار نهجاً أكثر تعقيداً. فبدلاً من توجيه لاعبيه لـ”تحييد” ميسي بلاعب واحد، استخدم منظومة متكاملة لإغلاق جميع المساحات حول النجم الأرجنتيني.

كلما تراجع ميسي لاستلام الكرة، كان اثنان أو ثلاثة من اللاعبين الإسبان يضغطون عليه فورًا في صفوف متراصة. وإذا اتجه نحو الوسط، كان رودري ينتظره لاعتراض التمريرة أو إجباره على إعادتها إلى خط الوسط. وإذا ما مال ميسي إلى الجناح، كان الظهيران ولاعبو خط الوسط الجناح يغلقون الزاوية فورًا، تاركين النجم البالغ من العمر 39 عامًا بلا خيارات تُذكر للعب الجماعي.

الأمر اللافت للنظر هو أن إسبانيا نادراً ما ارتكبت أخطاءً ضد ميسي. لم يحاولوا إيذاءه بتدخلات عنيفة، بل منعوه ببساطة من إيجاد المساحة الكافية لإظهار عبقريته. في أول 15 دقيقة من المباراة، لم يلمس مهاجم إنتر ميامي الكرة إلا مرة واحدة، وذلك عند انطلاق المباراة.

استمر ميسي في تلقي الكرة، واستمر في أداء حركاته المعهودة، لكن جميعها كانت تجري في مناطق بعيدة عن منطقة جزاء إسبانيا. لم يتمكن “M10” من إيصال تمريرات حاسمة، ولم يستطع اختراق دفاعات الخصم، ونادرًا ما كان يتواصل مع جوليان ألفاريز. في كل مرة يرفع فيها رأسه، كان ميسي يجد نفسه محاطًا بحشد من لاعبي المنتخب الأرجنتيني. لقد كان فخًا تكتيكيًا محكمًا أعده المدرب دي لا فوينتي، مما زاد من إحباط الأرجنتينيين كلما حاولوا إيصال الكرة إلى ميسي.

1784597853 164 إسبانيا وضربتها القاضية للأرجنتين
يأس ميسي بعد المباراة. الصورة: أسوشيتد برس.

عندما تم تحييد نجمهم، فقد نظام الهجوم الأرجنتيني بأكمله حيويته. أصبحت تمريراتهم السلسة متقطعة، وتعرض لاعبو الوسط لضغط مستمر من خط الوسط، وأصبحت تمريراتهم البينية متوقعة بسهولة من قبل إسبانيا. لم يُظهر “الألبيسيليستي” أي نقص في العزيمة، لكنهم بالكاد وجدوا حلاً أمام دفاع خصمهم المنظم. في كثير من الأحيان، بدا حامل اللقب وكأنه فريق يحاول البقاء في المباراة بدلاً من السعي لتحقيق التعادل.

لعلّ هذه كانت إحدى المرات النادرة منذ سنوات عديدة التي شهد فيها المشجعون ليونيل ميسي عاجزًا تمامًا في مباراة كبيرة. لم يكن السبب أن المهاجم المولود عام ١٩٨٧ قد فقد بريقه، ولا أن تقدمه في السن قد أبطأ حركته، بل لأن الخصم قد أعدّ نفسه جيدًا لتحييد جميع نقاط قوته. طوال ٩٠ دقيقة، كان ميسي معزولًا تمامًا تقريبًا عن بقية المنتخب الأرجنتيني. غابت عنه لحظات الإبداع التي أنقذت “الألبيسيليستي” مرات عديدة، لأن إسبانيا قد أغلقت فعليًا جميع الطرق المؤدية إلى مرماها.

عندما أُطلقت صافرة النهاية، لم تكن الصورة التي أسكتت العالم هي احتفالات لاعبي إسبانيا الصاخبة، بل ليونيل ميسي وهو ينهار على أرض الملعب ثم ينفجر بالبكاء. لم يستطع قائد الأرجنتين إخفاء خيبة أمله بعد أن تبدد حلمه بالدفاع عن اللقب أمام عينيه. لم تكن تلك الدموع مجرد حزن على الهزيمة، بل حملت أيضاً شعوراً بالندم، إذ قد تكون هذه المباراة النهائية لكأس العالم الأخيرة في مسيرته الكروية اللامعة.

لم يكن سبب هزيمة الأرجنتين خطأً فرديًا واحدًا أو لحظة سوء حظ، بل تفوق عليها خصمٌ متفوقٌ تكتيكيًا، ومُتحكمًا بالكرة، ومنظمًا للعبة. لم يكن لدى المدرب ليونيل سكالوني أي خطة لمساعدة ميسي على الإفلات من حصار إسبانيا، بينما أثبت نظيره لويس دي لا فوينتي سبب اعتباره أحد أفضل المدربين في العالم اليوم. فبعد فوزه ببطولة أمم أوروبا 2024، واصل المدرب البالغ من العمر 65 عامًا قيادة “لا روخا” إلى قمة العالم بأسلوب لعب عصري، وعلمي، وعملي للغاية.

لذا، فإن كأس العالم 2026 مستحقة تمامًا لإسبانيا. لم يقتصر فوزهم على الأرجنتين بالنتيجة فحسب، بل انتصروا أيضًا في معركة النفسية والتكتيكية والشخصية. والأهم من ذلك، أنهم أجبروا ليونيل ميسي – اللاعب الذي يعرف دائمًا كيف يصنع الفارق في المباريات الكبيرة – على خوض واحدة من أكثر مبارياته عزلةً وعجزًا في مسيرته. كان ذلك الأداء “المؤثر” المثالي الذي قدمه المدرب دي لا فوينتي ولاعبوه، محولين الليلة الأخيرة في ملعب ميتلايف إلى ذكرى لا تُنسى للجماهير الأرجنتينية، وعلامة فارقة تؤكد عودة إمبراطورية كرة القدم الإسبانية.

المصدر: