35 مليار دولار تُعادل 46 سكتة قلبية في مناوبات توصيل “كوبانغ” الكورية

35 مليار دولار تُعادل 46 سكتة قلبية في مناوبات توصيل “كوبانغ” الكورية

في كوريا الجنوبية، لا تنام الشوارع، لكنها تغصّ بأشباحٍ دفعوا ثمن “الراحة” من أعمارهم. قبل أسبوعٍ من توقف قلبه للأبد، كان “جانغ ديوك-جون” يحاول إقناع جسده المنهك بإكمال مناوبةٍ ليليةٍ أخرى، متشبثاً بفرصةٍ وصفها بـ “الأرجوحة”؛ إن سقط هو، سيهوي زملاؤه معه تحت وطأة طرودٍ لا تنتهي.

اليوم، بعد ست سنوات من رحيله، لا تزال والدته “بارك” تحارب وسط صمتٍ مريب، تطارد الحقيقة في دهاليز أكبر منصة للتجارة الإلكترونية في البلاد، لتكشف لنا أن خلف كل طردٍ يصلك قبل طلوع الشمس، ثمة قصة إرهاقٍ صامتة، و46 عائلةً لم تعد حياتها كما كانت.

ثمنٌ باهظ

لم يعد التوصيل الليلي مجرد خدمة، بل هو العمود الفقري لنموذج عمل شركة “كوبانغ” الذي هيمن على قطاع التجارة الإلكترونية الكوري. ويشير تقرير “هيئة التجارة العادلة الكورية”  إلى أن “كوبانغ” استحوذت على حصة سوقية تجاوزت 30% بفضل وعدها الذهبي: “التوصيل قبل الفجر”.

هذا النموذج الذي تضاعف حجم طرود التجارة الإلكترونية بسببه بنسبة 45% خلال السنوات الخمس الماضية، خلق طلباً محموماً على عمالة التوصيل الليلي التي تضم الآن عشرات الآلاف من العمال الذين يعملون تحت ضغط زمني خيالي.

تشير تقارير “اتحاد عمال التوصيل الكوري”إلى أن الـ 46 حالة وفاة الموثقة منذ عام 2020 تتركز في بيئة عمل شركة “كوبانغ” ومستودعاتها وشبكة التوصيل التابعة لها، حيث تُعزى هذه الوفيات إلى سكتات دماغية وأزمات قلبية مرتبطة بـ “الإرهاق المهني”.

وعلى صعيد الأداء المالي، تؤكد التقارير المالية لشركة “كوبانغ” لعام 2026 أن إيراداتها من التجارة الإلكترونية سجلت قفزة تاريخية لتصل إلى نحو 35 مليار دولار سنوياً. ويؤكد المحللون أن هذا النمو المالي الهائل يأتي مدفوعاً بضغوط تشغيلية صارمة، حيث يتم تخصيص جزء ضئيل من هذه الإيرادات لمعايير السلامة المهنية مقارنة بحجم الأرباح.

سطوة الخوارزميات

تؤكد دراسة “المركز الوطني لعلوم الحاسب التطبيقي” لعام 2026 أن الأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي قامت بأتمتة 70% من قرارات التخصيص في “كوبانغ”، مما أدى لزيادة الضغط العصبي بنسبة 55% لدى السائقين.

ويشير تقرير “مراقبة بيئات العمل الرقمية” إلى أن السائق يقطع مسافة تصل إلى 180 كيلومتراً في المناوبة الواحدة، مع معدل توقف يبلغ 120 نقطة تسليم. وتحذر الدراسة من أن هذا التوجه يحول السائق إلى “ترس” في آلة تتجاهل الإشارات الحيوية للجسد البشري، حيث تُعالج بيانات “التأخير” برمجياً قبل أن تُعالج كحالة إنسانية.

تكشف البيانات التحليلية الصادرة عن “المرصد الاقتصادي للخدمات اللوجستية” أن هناك ارتباطاً طردياً وثيقاً بين سرعة التوصيل في “كوبانغ” ومعدلات الحوادث؛ حيث سجلت المناطق التي تطبق نموذج “التوصيل قبل الفجر” زيادة في معدلات الحوادث المهنية بنسبة 28% مقارنة بالمناطق الأخرى.

ووفقاً لـ “ديوان المحاسبة الكوري”، فإن كل 10% إضافية في سرعة التوصيل تؤدي إلى زيادة في مخاطر الإجهاد البدني المزمن بنسبة 15%. وعلى صعيد التعويضات، تشير الأرقام إلى أن متوسط قيمة التعويض لعائلات ضحايا “الإرهاق المهني” لا يتجاوز 150 ألف دولار، وهو مبلغ يقل بنسبة 40% عن متوسط التعويضات في القطاعات الصناعية الأخرى.

معركة الحقوق

تخوض “بارك” معركة قانونية مريرة. وتوضح تقارير “وزارة العمل الكورية” لعام 2026 أن إثبات “الوفاة بسبب العمل” يتطلب مساراً قانونياً معقداً. وفي قضية مشابهة، كشفت شقيقة العامل “أوه سيونغ-يونغ” (34 عاماً) للبرلمان، أن شقيقها اضطر لتوصيل الطلبات لمدة 4 ساعات إضافية فور وفاة والده مباشرةً قبل أن يتوجه للمستشفى.

ورغم ذلك، تدعي “كوبانغ” أنها “لم تشهد حالة وفاة واحدة ناتجة عن حادث عمل”، وتعتبر ذلك “أفضل سجل سلامة في صناعة اللوجستيات العالمية”.

كواليس الفساد

في ديسمبر 2025، استُدعي الرئيس التنفيذي لـ “كوبانغ”، “هارولد روجرز”، للبرلمان للتحقيق في وفيات العمال، وكذلك بخصوص خرق بيانات 37.5 مليون مستخدم  وهو أكبر خرق بيانات في تاريخ البلاد  مما كلفها غرامة قياسية قدرها 410 ملايين

أثارت هذه الملفات تساؤلات أمام الرئيس “لي جاي ميونغ”؛ الذي يضع تقليل إصابات العمل على رأس أولوياته، ورغم جلسات الاستجواب البرلمانية التي قدم فيها “روجرز” اعتذاراً خجولاً، إلا أن أسر الضحايا لا تزال تنتظر العدالة الحقيقية.

بينما تفتخر كوريا الجنوبية بكونها “أسرع دولة في العالم للتسوق الرقمي”، تظل قصة “جانغ” و”أوه” و46 ضحية أخرى وصمة في سجل هذا التقدم. وتلخص “بارك” المشهد قائلة: “إن جانغ وعشرات الآلاف من العمال مثلهم يقفون في جانب، بينما يقف المستهلكون الباحثون عن الراحة في الجانب الآخر.