عند تأمل السماء ليلاً، يتخيل الناس أن النجوم والكواكب والغاز والغبار والمجرات التي نراها تشكل الكون بأكمله. إلا أن الأبحاث الفلكية الحديثة تُظهر أن المادة المألوفة لا تمثل سوى جزء ضئيل جدًا من الكون. ويبدو أن غالبية الكون تتكون من عنصرين غامضين: المادة المظلمة والطاقة المظلمة.
صورة: svs.gsfc.nasa
المادة المظلمة نظريةٌ طرحها العلماء لتفسير الظواهر التي تعجز المادة المرئية عن تفسيرها. ورغم أنها لا تُصدر الضوء ولا تعكسه ولا تمتصه، إلا أن المادة المظلمة تُمارس تأثيرها من خلال الجاذبية. ومن أهم الأدلة على ذلك حركة المجرات. فبحسب قوانين الفيزياء، لو كان حجم النجوم والغازات التي نراها فقط هو الموجود، لما استطاعت المجرات الدوران بهذه السرعة دون أن تتفكك. وهذا يُشير إلى وجود كمية هائلة من المادة غير المرئية التي تُبقيها متماسكة.

صورة: tam.gov
يُقدّر العلماء أن المادة المظلمة تُشكّل حوالي 27% من الكون، بينما لا تُمثّل المادة العادية – بما في ذلك الذرات التي تُكوّن البشر والأرض والنجوم – سوى 5% تقريبًا. تُشير العديد من النظريات إلى أن المادة المظلمة قد تتكوّن من جسيمات لم تُكتشف من قبل، مثل الجسيمات ضعيفة التفاعل (WIMPs) أو الأكسيونات. مع ذلك، وبعد عقود من البحث، لا تزال الطبيعة الحقيقية للمادة المظلمة غير مُحدّدة.
إذا كانت المادة المظلمة تُسهم في ربط البنى الكونية الكبيرة، فإن الطاقة المظلمة ترتبط بتوسع الكون نفسه. في نهاية القرن العشرين، اكتشف علماء الفلك أن توسع الكون لم يكن يتباطأ كما كان متوقعًا، بل كان يتسارع. وقد فُسِّرت هذه الظاهرة بوجود شكل غامض من الطاقة يُسمى الطاقة المظلمة.

صورة: subatomicstories.blogspot
يُعتقد أن الطاقة المظلمة تُشكّل حوالي 68% من الكون. ومع ذلك، لا يزال العلماء يجهلون ماهيتها بدقة. تشير بعض النظريات إلى أنها قد تكون الطاقة الكامنة في الفراغ الكمومي، بينما تقترح نظريات أخرى وجود نوع جديد غير مكتشف من مجال الطاقة.
من المثير للدهشة أن كل ما يعرفه البشر ويستطيعون ملاحظته مباشرة ليس سوى جزء ضئيل من الواقع. فالذرات التي تُكوّن كل ما هو مألوف حولنا – من جسم الإنسان إلى الجبال والنجوم – ليست سوى “قطع صغيرة” في صورة كونية أكبر بكثير.
إن دراسة المادة المظلمة والطاقة المظلمة لا تقتصر على الإجابة عن سؤال فلكي فحسب، بل تساعد البشرية أيضاً على فهم أصل الكون وبنيته ومستقبله بشكل أفضل. ولعلّ أحد أعظم اكتشافات العلوم المستقبلية سيأتي من فكّ لغز هذين الظاهرتين اللتين تحكمان جزءاً كبيراً من الكون، ولكنهما لا تزالان عصيتين على فهمنا.
المصدر:
