في استحضار جديد لذكريات الزمن الجميل وعبق منافسات الدوري المصري الممتاز، توقف جمال سالم، أحد الركائز الأساسية السابقة في صفوف نادي المقاولون العرب، عند واحدة من أصعب المحطات التي واجهته خلال مسيرته الاحترافية. وتأتي هذه التصريحات لتعكس حجم التحديات البدنية والذهنية التي يواجهها لاعبو كرة القدم في مصر، خاصة عند اقتران المنافسة الجماهيرية الكبرى بظروف مناخية وشعائر دينية لها قدسيتها وطابعها الخاص.
موقعة “الثالثة عصراً” في ذاكرة جمال سالم
أكد جمال سالم أن مسيرته المليئة بالمواجهات القوية لم تخلُ من لحظات قاسية، إلا أن لقاء فريقه “ذئاب الجبل” ضد نادي الزمالك يظل محفوراً في ذاكرته كأصعب اختبار بدني خاضه. وأوضح سالم أن تلك المواجهة لم تستمد صعوبتها من القيمة الفنية والمهارية للاعبي الفارس الأبيض فحسب، بل كانت مرتبطة بظروف استثنائية؛ حيث أقيمت المباراة في تمام الساعة الثالثة عصراً خلال شهر رمضان المبارك، وفي ظل موجة حارة اجتاحت البلاد آنذاك.
ووصف نجم المقاولون السابق الأجواء التي سبقت ورافقت المباراة بأنها كانت اختباراً حقيقياً لقدرة التحمل، مشيراً إلى أن اللعب تحت أشعة الشمس المتعامدة في نهار رمضاني يتطلب تحضيراً نفسياً يتجاوز التحضير الفني. واعتبر سالم أن الصيام مع المجهود البدني العالي في مواجهة فريق بحجم الزمالك، الذي كان يمتلك ترسانة من النجوم، جعل من الصمود طوال التسعين دقيقة إنجازاً بدنياً في حد ذاته.
تحدي الذئاب أمام مدرسة الفن والهندسة
لطالما اتسمت مباريات المقاولون العرب والزمالك بالندية الكبيرة، حيث يُعرف “ذئاب الجبل” تاريخياً بقدرتهم على إحراج الكبار بفضل الانضباط التكتيكي والروح القتالية. وفي السياق الذي استحضره جمال سالم، كانت المباراة تمثل صراعاً على النقاط وصراعاً ضد الإجهاد. وأشار في حديثه إلى أن اللاعبين في ذلك الجيل كانوا يمتلكون عقيدة قوية في التعامل مع الصيام، حيث لم يكن يُنظر إليه كعائق، بل كدافع لتقديم أقصى جهد ممكن.
وأضاف سالم أن مواجهة الزمالك تتطلب تركيزاً مضاعفاً، نظراً لقدرة لاعبيه على استغلال أدنى تراجع بدني للمنافس. وأكد أن الرطوبة العالية ودرجات الحرارة المرتفعة في ذلك التوقيت جعلت من عملية التنفس والركض السريع عبئاً ثقيلاً، ومع ذلك، فقد اتسمت المباراة بالندية الفنية العالية التي تعكس جودة اللاعب المصري وقدرته على التكيف مع أقسى الظروف.
تحليل فني لأثر التوقيت على أداء اللاعبين
من الناحية التحليلية، يرى خبراء كرة القدم أن إقامة المباريات الكبرى في نهار رمضان وفي أجواء حارة تؤثر بشكل مباشر على ريتم اللعب وسرعة التحولات. ففي مثل هذه الظروف، يميل المدربون عادة إلى تضييق المساحات والاعتماد على التكتل الدفاعي والكرات المرتدة، لتوفير المخزون البدني لأطول فترة ممكنة. وهذا ما يفسر سبب بقاء هذه المباريات في ذاكرة النجوم مثل جمال سالم، نظراً للمجهود الخرافي الذي يُبذل خلف الكواليس لتجاوز عائق العطش والإرهاق.
ختاماً، تبقى شهادة جمال سالم حلقة من سلسلة طويلة من القصص التي تبرز تضحيات الجيل الذهبي للكرة المصرية، وتعزز من قيمة الروح الرياضية والتحدي التي تميز منافسات الدوري المحلي، مؤكدة أن كرة القدم هي صراع إرادات قبل أن تكون مجرد مهارات تقنية داخل المستطيل الأخضر.
