في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى منافسات كأس العالم 2026، يواصل ديفيد بيكهام فرض حضوره الطاغي في الولايات المتحدة، ليس كلاعب سابق أو مالك مشارك لنادي إنتر ميامي فحسب، بل كواحد من أبرز الوجوه الإعلانية وأكثر الشخصيات تأثيراً في السوق الأمريكية.
وخلال متابعة التلفزيون الأمريكي، تبدو الإعلانات التجارية وكأنها تنقسم إلى ثلاثة أصناف رئيسية، إعلانات الوجبات السريعة، وإعلانات الأدوية والرعاية الصحية، ثم إعلانات ديفيد بيكهام، الذي أصبح حاضراً في كل مكان تقريباً، من شاشات التلفزيون إلى اللوحات الإعلانية وحتى ملاعب كأس العالم حسب تقرير نشرته صحيفة «الغارديان»، وأشارت من خلاله إلى تحول لاعب الوسط الإنجليزي السابق إلى ظاهرة تسويقية متكاملة، بعدما تناولت وسائل إعلام أسترالية هذه الظاهرة بسخرية، مصورة بيكهام على أنه أكثر الرجال عملاً في أمريكا، إذ يظهر في إعلانات تبدأ بفنجان قهوته الصباحية، مروراً بالإفطار، وشراء الأدوات المنزلية، وتناول الوجبات السريعة، واستعراض ساعاته الفاخرة، وقيادة السيارات، قبل أن يختتم يومه بإعلان لمرتبة نوم فاخرة.
وخلال مباريات كأس العالم، أصبح ظهور بيكهام متكرراً بصورة لافتة، إذ يظهر على الشاشة العملاقة داخل الملعب، وفي الإعلانات التلفزيونية، كما يحضر شخصياً في المدرجات، في مشهد يعكس مدى انتشار علامته التجارية داخل أكبر سوق ترفيهي في العالم.
وينظر إلى بيكهام اليوم باعتباره أحد أكثر الشخصيات نفوذاً في الولايات المتحدة، إذ تشير التقديرات إلى أنه سيجني نحو 25 مليون دولار من بطولة كأس العالم الحالية، وهو رقم يفوق ما يحققه أي شخص آخر مرتبط بالبطولة، رغم عدم مشاركته فيها كلاعب.
ومع انتقال البطولة إلى مدينة ميامي، حيث يستضيف منتخب إنجلترا نظيره النرويجي، بدأ حضور بيكهام أكثر وضوحاً، إذ بات جزءاً من المشهد العام للبطولة، سواء عبر الإعلانات أم الظهور الجماهيري أم ارتباطه الوثيق بنادي إنتر ميامي.
ورغم وجود بعض الآراء التي ترى أن حجم ظهوره ربما بلغ حد التشبع، فإن مؤشرات السوق لا تعكس ذلك، إذ ترى مجلة «فوربس» أن نجاح بيكهام يعود إلى عاملين رئيسيين، أولهما قدرة السوق الأمريكية الهائلة على استيعاب الشخصيات التجارية الكبرى، وثانيهما رغبة بيكهام المستمرة في تحويل نفسه إلى علامة تجارية عالمية.
ويعد الجانب اللافت في قصة نجاحه أنه لم يحقق مكانته الحالية اعتماداً على إنجازاته الكروية داخل الولايات المتحدة، إذ وصل إليها في المراحل الأخيرة من مسيرته الرياضية، بل بنى نجاحه على صورته العامة وقدرته الاستثنائية على صناعة الشهرة.
ورغم أن كثيرين يتذكرونه بوصفه رمزاً إعلامياً، فإن بيكهام كان لاعباً مميزاً داخل الملعب أيضاً، بفضل دقة تمريراته وكراته الثابتة، خصوصاً ركلاته الحرة الشهيرة، ومنها هدفه التاريخي أمام اليونان.
ويميز بيكهام عن كثير من الشخصيات البريطانية التي نجحت في الولايات المتحدة أنه لم يعتمد على إنتاج فني أو ثقافي، كما فعلت فرقة «البيتلز» أو الكاتبة جي كي رولينغ، بل نجح في تسويق شخصيته وتحويلها إلى منتج عالمي قائم بذاته.
ويعزو مراقبون نجاحه إلى ثلاثة عناصر رئيسية، أولها صورته الشخصية التي تجمع بين الوسامة والبساطة، إذ يبدو في الوقت نفسه نجماً عالمياً وشخصاً قريباً من الناس، وهو ما يمنحه جاذبية خاصة لدى الجمهور الأمريكي.
كما يتمتع بيكهام بحضور هادئ بعيد عن الصخب المعتاد لدى كثير من المشاهير في الولايات المتحدة، الأمر الذي جعله يظهر بصورة «الرجل المثالي» أو «الأب الأمريكي»، وهو ما عزز مكانته لدى الجمهور.
وتعززت صورته أيضاً بعد منحه لقب «سير»، الذي أضاف إلى شخصيته بعداً رمزياً، في وقت لا تزال فيه الولايات المتحدة تنجذب إلى الشخصيات البريطانية ذات المكانة الملكية أو الأرستقراطية.
ولكن النفوذ الحقيقي لبيكهام لم يتوقف عند صورته الإعلامية، بل ارتبط أيضاً بدخوله عالم الاستثمار الرياضي عبر شراكته في ملكية نادي إنتر ميامي، بدعم من الأخوين الكوبيين الأمريكيين خورخي وخوسيه ماس، اللذين يمثلان إحدى أكثر العائلات نفوذاً في مدينة ميامي.
وأسهمت هذه الشراكة في توفير النفوذ اللازم لتحويل إنتر ميامي إلى أحد أهم المشاريع الرياضية في الولايات المتحدة، إذ تقدر قيمة النادي حالياً بنحو 1.5 مليار دولار، بينما يجري إنشاء ملعب «فريدوم بارك» الجديد ليصبح مركزاً اقتصادياً ورياضياً يعزز مكانة النادي.
وجاء العنصر الثالث في صعود بيكهام مع التعاقد مع ليونيل ميسي عام 2023، بعقد يمتد حتى عام 2028، وهو القرار الذي منح النادي دفعة تجارية ورياضية غير مسبوقة، وجعل إنتر ميامي واحداً من أكثر الأندية شهرة على مستوى العالم.
وفي مدينة ميامي، تحولت الجدارية الضخمة التي تحمل صورة ميسي في حي وينوود إلى معلم سياحي بارز، بينما أصبح قميص إنتر ميامي رابع أكثر القمصان مبيعاً في عالم كرة القدم، في انعكاس مباشر للتأثير المشترك الذي صنعه الثنائي بيكهام وميسي.
وكان بيكهام قد شارك بنفسه في رسم جزء من جدارية ميسي، في مشهد يجسد العلاقة الوثيقة بين المشروعين، إذ أصبح نجاح ميسي جزءاً من نجاح بيكهام التجاري، والعكس صحيح.
وبعد ثلاثة عقود من بناء صورته العالمية، نجح ديفيد بيكهام في تأسيس إمبراطورية إعلامية وتجارية يصعب تكرارها، ليصبح نموذجاً فريداً للاعب كرة قدم تجاوز حدود المستطيل الأخضر، وحوّل شهرته إلى واحدة من أقوى العلامات التجارية في الرياضة العالمية.
