شهدت بطولة كأس العالم 2026 وداعًا مؤثرًا من أساطير كرة القدم المعاصرين. فبينما غادر محمد صلاح البطولة في صمت مطبق، واختتم كريستيانو رونالدو رحلته بذكريات جميلة، وقدّم كيليان مبابي اعتذارًا صادقًا، واجه هاري كين شعورًا مألوفًا: الصمت الخانق الذي أعقب هزيمة مُذلّة.
في نفق الملعب بعد مباراة نصف النهائي ضد الأرجنتين، اضطر قائد إنجلترا مرة أخرى لمشاهدة حلمه بالذهب يتبدد. كان فريقه قد اقترب كثيراً، وكاد أن يلامس عتبة المجد، لكنه في النهاية افتقر إلى الهدوء اللازم لتجاوز اللحظات الحاسمة.
اللعنة في مباريات الفوز أو الخسارة
هذه هي المرة الخامسة على التوالي التي تصل فيها إنجلترا إلى الأدوار النهائية في بطولة كبرى في العصر الحديث. إلا أن هذه الهزيمة أمام الأرجنتين كانت مؤلمة بشكل خاص، إذ كانوا متقدمين بهدف نظيف قبل أن يتراجعوا في الدقائق الأخيرة. بالنسبة لهاري كين شخصيًا، أثارت هذه المباراة مجددًا تساؤلات حول مدى تأثيره في اللحظات الحاسمة.
تكشف الإحصائيات عن حقيقة مثيرة للتفكير: في مباريات نصف النهائي والنهائي الست التي شارك فيها مع المنتخب الوطني، لم يُسجل كين سوى هدفين فقط. والجدير بالذكر أن كلا الهدفين جاءا من ركلات ثابتة أو كرات مرتدة بعد ركلات جزاء (ضد هولندا في يورو 2024 والدنمارك في يورو 2020). بالنسبة لمهاجم من الطراز العالمي، يُعد هذا الرقم أقل بكثير من التوقعات لشخص قادر على حسم المباريات.

عدم الترابط في النظام التكتيكي
قد يعجبك أيضاً
لكن، وللإنصاف، لا يقع اللوم بالكامل على هاري كين. تكمن المشكلة الأساسية في أسلوب لعب إنجلترا عند مواجهة الخصوم الكبار. فبعد التقدم على الأرجنتين، يميل “الأسود الثلاثة” إلى التراجع إلى الخلف واللعب بحذر شديد، مما يترك هاري كين معزولاً تماماً تقريباً وسط حصار كريستيان روميرو وليساندرو مارتينيز.
لا يُعدّ كين من نوعية اللاعبين القادرين على صناعة الفرص بمفردهم بسرعة كيليان مبابي أو بمهارات مراوغة استثنائية كليونيل ميسي. إنه مهاجم متكامل يحتاج إلى منظومة دعم من حوله لتعزيز قدرته على إنهاء الهجمات. عندما لا يتمكن زملاؤه مثل فيل فودين أو بوكايو ساكا من توفير الكرات الكافية، يُضطر كين للتراجع إلى الخلف للمشاركة في بناء الهجمات، مما يُقلل من خطورته الهجومية داخل منطقة جزاء الخصم.
أداءٌ مثيرٌ للإعجاب ومفارقة xG
رغم الانتقادات، أثبت هاري كين جدارته بلقب أعظم هداف في تاريخ المنتخب الوطني. فبحسب إحصائيات الأهداف المتوقعة (xG)، سجل كين 6 أهداف في هذه البطولة، بينما لم تتجاوز جودة الفرص التي أتيحت له 3.7 هدف متوقع. وهذا يُظهر أن قدرة مهاجم بايرن ميونخ على استغلال الفرص لا تزال استثنائية.

تكمن المفارقة في أن الفريق الذي يمتلك مهاجمًا بهذه الفعالية غالبًا ما يجد صعوبة في فرض أسلوب لعبه في المراحل الحاسمة. فعدم ثبات مستوى الأجنحة وأسلوب لعب إنجلترا المتوقع يعني أن كين يواجه باستمرار خطوط دفاعية متماسكة ومنضبطة.
ماذا يخبئ المستقبل لقائد منتخب إنجلترا؟
في الثالثة والثلاثين من عمره، لا ينوي هاري كين التوقف. فهو يتخذ من ليونيل ميسي – الذي فاز بكأس العالم في الخامسة والثلاثين – مصدر إلهام له لمواصلة الكفاح. ويؤكد كين أن حبه للمنتخب الوطني يبقى على رأس أولوياته، وسيتوجه إلى بطولة أمم أوروبا 2028 متطلعًا لتغيير لون ميداليته.

حتى الآن، لم يجد الدوري الإنجليزي الممتاز لاعباً قادراً على تعويض كين في مركز رأس الحربة. ومع ذلك، لكي تنتهي مسيرته ومسيرة المنتخب الوطني نهاية سعيدة، لا بد من التغيير. يحتاج المنتخب الإنجليزي إلى نهج أكثر فعالية في اللعب، ونظام يعرف كيف يستغل غريزة كين التهديفية إلى أقصى حد بدلاً من تركه يبذل طاقته في صراعات لا تنتهي في خط الوسط.
سيواصل هاري كين تسجيل الأهداف، هذا أمرٌ مؤكد. لكن ما إذا كانت هذه الأهداف كافيةً للفوز بلقبٍ كبير يعتمد على ما إذا كان منتخب إنجلترا سيجرؤ على التغيير والتحرر من قيوده في المباريات الحاسمة.
المصدر:
