ربما تكون هذه الصورة مألوفة لدى العديد من الآباء: أنت تقف أمام طفلك، وتذكره للمرة الثالثة بأنه يجب عليه إنهاء واجباته المدرسية ووضع ملابسه جانباً قبل العشاء.
لم يرفع الطفل نظره إليك إلا لنصف ثانية قبل أن يعود ملتصقاً بجهاز الآيباد – حيث كان يرسل رسائل نصية إلى أصدقائه ويشاهد بثاً مباشراً للعبة ماينكرافت في نفس الوقت.
تشك في قدرة طفلك على سماعك، وتزداد قلقك بشأن قدرته على القيام بالأعمال المنزلية طواعية.
في عصر الانفجار الإعلامي الرقمي، أصبح الأطفال أكثر عرضة للتشتت من أي وقت مضى.
إن قلة المثابرة، والتعب المتكرر، وصعوبة التركيز، واللامبالاة تجاه العالم من حولهم هي أعراض نموذجية لما يعرف باسم متلازمة “دماغ الفشار”.
على الرغم من أنه يمكن أن يحدث في أي عمر، إلا أن هذه المتلازمة ضارة بشكل خاص للمراهقين – وهي فترة حاسمة في نموهم النفسي والجسدي.
ما هو “دماغ الفشار”؟
يصف مصطلح “دماغ الفشار”، الذي صاغه الدكتور ديفيد إم. ليفي، أستاذ علوم الحاسوب في جامعة واشنطن (الولايات المتحدة الأمريكية)، حالة يصبح فيها الفرد “مدمنًا” على تعدد المهام عبر الإنترنت لدرجة فقدان الاهتمام بالأنشطة اليومية ذات الوتيرة الأبطأ.
باختصار، فإن عادات مثل التصفح المستمر لوسائل التواصل الاجتماعي، والتنقل بين التطبيقات، أو استخدام شاشتين في وقت واحد (مثل تصفح إنستغرام أثناء مشاهدة التلفزيون) تؤدي إلى تآكل مدى انتباه المستخدمين.
يفقدون تدريجياً اهتمامهم بالهوايات الشخصية، والأعمال المنزلية، أو حتى التفاعلات الاجتماعية في الحياة الواقعية.
علامات الحب في سن المراهقة
في هذا العصر التكنولوجي، يكاد يكون من المستحيل فصل الأطفال تمامًا عن الأجهزة الإلكترونية. ومع ذلك، يمكن للوالدين بالتأكيد تنظيم وقت استخدام أطفالهم للشاشات إذا لاحظوا أي علامات غير طبيعية.
قد يعجبك أيضاً
أظهرت دراسة أجريت عام 2021 ونُشرت في مجلة PLOS ONE ، على أطفال تتراوح أعمارهم بين 8 و12 عامًا، أن المستويات العالية من استخدام الوسائط المتعددة ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالضغط النفسي، وضعف الأداء الاجتماعي والعاطفي، وزيادة الاضطرابات السلوكية واضطرابات الانتباه، وانخفاض جودة النوم والمثابرة لدى الأطفال.
تشمل العلامات الأخرى التي يجب على الآباء الانتباه إليها ما يلي: صعوبة التركيز، وتشتت الانتباه باستمرار، والرغبة الشديدة في التعرض لمحفزات حسية جديدة؛ والنسيان، وصعوبة تذكر المعلومات؛ وصعوبة اتباع التعليمات متعددة الخطوات؛ والشعور المتكرر بالقلق والتهيج وصعوبة السيطرة على المشاعر.
كيف يؤثر مصطلح “دماغ الفشار” على الأطفال؟
قد يبدو تشتت الانتباه أو قلة التركيز أثناء الدراسة أمراً بسيطاً، لكن هل هو مشكلة خطيرة؟ يحذر الخبراء من أن هذا قد يسبب ضرراً طويل الأمد للقدرات الفكرية للطفل.
أشارت دراسة أجريت عام 2019 ونُشرت في مجلة الطب النفسي العالمي إلى أن عوامل التشتيت التكنولوجية تخلق بيئة غير مواتية لتطوير الوظائف المعرفية العليا خلال مراحل نمو الدماغ لدى الأطفال والمراهقين.
ومن الجدير بالذكر أن الاستخدام المفرط للإنترنت على مدى ثلاث سنوات متتالية لدى الأطفال يرتبط بانخفاض في الذكاء اللغوي.
تؤكد علياء سينغ، المؤسسة المشاركة لمنصة CultivaTeen Roots التعليمية ، أن هذه المتلازمة تعيق أيضاً النمو العاطفي:
لم يكتمل نمو أدمغة المراهقين بعد في التعامل مع المشاعر القوية. إن انغماسهم في وسائل التواصل الاجتماعي يحرمهم دون قصد من فرصة تجربة مواقف الحياة الواقعية، حيث يمكنهم تطوير مهارات التواصل. كما أن الإفراط في استخدام الشاشات يؤدي بسهولة إلى تقلبات مزاجية، مما يضخم الصعوبات البسيطة في الحياة الواقعية ويجعلهم أكثر عرضة للاستسلام واليأس.
ما الذي ينبغي على الآباء فعله؟

قد تبدو هذه الأمور مقلقة، لكن لا داعي للذعر. فآثار “الدماغ المتقطع” قابلة للعكس تمامًا إذا ما دعم الآباء أبناءهم بصبر.
تنصح علياء سينغ الآباء بوضع حدود واضحة لوقت استخدام الشاشات. يكمن الحل في مساعدة الأطفال على إيجاد مصادر أخرى للمتعة بدلاً من الانغماس في الشاشة.
ونصحت قائلة : “إن تخصيص وقت للتأمل الهادئ، والعيش بشكل كامل في اللحظة الحالية دون وجود التكنولوجيا، سيساعد أدمغة الأطفال على إعادة تعلم كيفية الحفاظ على التركيز” .
علاوة على ذلك، فإن للتفاعل المباشر وتجربة “الملل” قيمتهما الخاصة. فقد أوضح الخبير سينغ قائلاً: “إن الملل يحفز الإبداع، ويولد أفكاراً جديدة، وينمي الصبر والتركيز. في عالم يسير بوتيرة سريعة للغاية، يحتاج الأطفال إلى تعلم التمهل” .
يُنصح الآباء بالتنزه مع أطفالهم لخلق بيئة طبيعية مفتوحة للحوار، ولتشجيعهم على حب القراءة ومساعدتهم في العثور على كتب تناسب اهتماماتهم، وإشراكهم في تخطيط قوائم الطعام أو تحضير العشاء. خصصوا من 30 إلى 60 دقيقة يوميًا للعب الألغاز أو الرسم أو القيام بأعمال يدوية مع أطفالكم.
من منظور إدارة السلوك المهني، تضيف خبيرة التدريب على المهارات جانيس جونز العديد من الحلول: ممارسة التأمل أو اليقظة الذهنية، وجدولة فترات “انقطاع” عن العالم الرقمي؛ وإعداد منطقة دراسة هادئة خالية تمامًا من الأجهزة الإلكترونية؛ وتشجيع الهوايات مثل القراءة أو الرسم أو العزف على الآلات الموسيقية أو الانغماس في الطبيعة.
تأكد من أن طفلك يمارس الأنشطة البدنية، ولا يتعرض للتكنولوجيا، ويتفاعل اجتماعياً مع أقرانه.
تُعدّ الأنشطة التقليدية كالحياكة والبستنة من الوسائل الفعّالة لإبعاد الأطفال عن الشاشات. وأخيرًا، احرصوا على الالتزام بموعد نوم ثابت، واحرصوا على خلق روتين مريح خالٍ من الأجهزة الإلكترونية قبل النوم.
(بحسب أولياء الأمور)
المصدر:
