لطالما قيل إن كرة القدم هي اللعبة التي توحد الشعوب، وإن المستطيل الأخضر هو المكان الذي تتراجع عنده الحدود والخلافات السياسية.
لكن نهائي كأس العالم الأخير ترك لدي انطباعًا مختلفًا؛ فللمرة الأولى أشعر أن السياسة لم تكن خارج الملعب، بل كانت لاعبًا حاضرًا بقوة، يؤثر في مشاعر الجماهير بقدر ما يؤثر أداء اللاعبين.
لم تكن المباراة مجرد منافسة على كأس العالم، بل كانت حدثًا تابعه مئات الملايين من البشر، وربما تجاوز عدد مشاهديه أضعاف عدد متابعي أهم الخطابات السياسية التي يلقيها قادة الدول الكبرى.
ومن هنا يمكن فهم القيمة الرمزية الهائلة للظهور في هذه المناسبة. فقد استحوذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مساحة غير معتادة في مراسم التتويج وتسليم الميداليات والكأس، في مشهد بدا بعيدًا عن البروتوكول التقليدي الذي اعتادت فيه البطولة أن تترك الأضواء لأبطالها داخل الملعب.
لقد أصبح نهائي كأس العالم منصة إعلامية عالمية، ومن ثم يسعى السياسيون إلى الظهور عليها، لأنها تمنحهم جمهورًا لا تستطيع أي منصة سياسية أخرى أن توفره.
لكن السياسة لم تحضر على منصة التتويج فقط، بل حضرت أيضًا في وجدان الجماهير.
فقد تابع كثير ممن يتابعون المأساة الإنسانية في غزة المباراة من منظور يتجاوز كرة القدم. ولم يكن تعاطفهم مع أحد الفريقين قائمًا على تاريخه الكروي أو مهارة لاعبيه فحسب، وإنما تأثر كذلك بالمواقف السياسية المرتبطة بكل طرف. فالموقف الذي اتخذته الحكومة الإسبانية في إدانة قتل المدنيين في غزة منح المنتخب الإسباني تعاطفًا واضحًا لدى قطاع واسع من المشاهدين.
وفي المقابل، جاء الدعم العلني الذي أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي وعدد من الوزراء في حكومته للمنتخب الأرجنتيني ليضفي على المباراة بعدًا سياسيًا لم يكن من الممكن تجاهله.
وهكذا، لم يعد كثير من الناس يشاهدون المباراة بعين المشجع فقط، بل بعين المواطن الذي يحمل موقفًا أخلاقيًا وسياسيًا مما يجري في العالم.
ولم يكن الجدل السياسي وحده حاضرًا، بل امتد أيضًا إلى أرض الملعب.
ففي مباراة مصر والأرجنتين، بدا لكثير من المتابعين أن العدالة التحكيمية تعرضت لاختبار صعب. فقد سيطر المنتخب المصري على مجريات اللعب لفترات طويلة، ثم جاءت سلسلة من القرارات المثيرة للجدل؛ هدف صحيح لم يُحتسب، وإهمال ركلة جزاء مستحقة، وتغاضٍ عن تدخلات عنيفة، في مقابل عدد كبير من البطاقات الصفراء للاعبي مصر.
وفي تقديري، لم يكن الأثر الحقيقي لهذه القرارات في نتيجتها المباشرة فقط، بل في الرسالة النفسية التي وصلت إلى اللاعبين؛ فعندما يشعر فريق بأن ميزان العدالة لم يعد متوازنًا، تتراجع الثقة، ويبدأ الأداء في الانهيار، وهو ما بدا واضحًا في الدقائق الأخيرة التي شهدت تحولًا كاملًا في مجرى المباراة.
ولعل ما زاد هذا الانطباع أن أداء المنتخب الأرجنتيني اتسم، في كثير من الأحيان، بخشونة مفرطة، وكثرة الاحتكاكات، وتعمد إيقاف اللعب، والاعتراض المستمر على قرارات الحكم. قد تحقق هذه الأساليب أفضلية مؤقتة داخل الملعب، لكنها لا تصنع كرة قدم جميلة، ولا تكسب احترام المشاهد المحايد. فالجماهير لا تتذكر البطولات فقط، بل تتذكر أيضًا الكيفية التي أُحرزت بها.
ولهذا كله، لم تكن سعادتي بفوز إسبانيا مجرد انحياز لنتيجة مباراة، وإنما لأنني رأيت في أدائها نموذجًا لكرة قدم اعتمدت على المهارة، والانضباط، واحترام روح اللعبة. لقد بدا التتويج، بالنسبة لي وللكثيرين، انتصارًا لأسلوب لعب، قبل أن يكون انتصارًا لمنتخب.
لكن بعيدًا عن نتائج المباريات، يبقى السؤال الأهم: هل ما زالت كرة القدم قادرة على أن تكون مساحة محايدة تجمع البشر، أم أنها أصبحت، مثل كل شيء آخر، ساحة تتقاطع فيها السياسة والإعلام والمواقف الأخلاقية؟
أخشى أننا دخلنا مرحلة جديدة لم يعد فيها المشجع يشاهد المباراة بوصفها مباراة فحسب، بل يقرأ فيها أيضًا مواقف الحكومات، ورسائل السياسيين، وجدالات الإعلام، وانحيازات التحكيم.
وإذا كانت كرة القدم قد وُصفت يومًا بأنها «اللعبة الجميلة»، فإن التحدي الأكبر اليوم ليس أن نحافظ على جمال الأداء داخل الملعب، بل أن نحافظ أيضًا على عدالة المنافسة، حتى لا تتحول السياسة من ضيف على الرياضة… إلى اللاعب الأكثر تأثيرًا فيها.
