على عكس بطولات كأس العالم السابقة، عمد الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) إلى وضع أفضل أربعة منتخبات في أربعة أقسام منفصلة من القرعة. وُضعت إسبانيا والأرجنتين في نصفين متقابلين، بينما وُضعت فرنسا وإنجلترا في قسمين مختلفين. إذا تصدر كل منهما مجموعته، فلن يضطر إلى مواجهة الآخر قبل الدور نصف النهائي.
لا يختار الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) الخصوم، ولا يحدد نتائج المباريات. ما يغيره الاتحاد هو هيكل القرعة فقط لإنشاء مسارين منفصلين إلى الدور نصف النهائي لأفضل أربعة فرق.
لكن هذا التغيير الذي يبدو تقنياً يعكس في الواقع اتجاهاً رئيسياً في الرياضات الحديثة.
أدى توسيع بطولة كأس العالم من 32 إلى 48 فريقًا إلى إضافة دور الـ32 في الأدوار الإقصائية. وبموجب هذا النظام الجديد، قد يتقابل الفريقان الأول والثاني من كل مجموعة في دور الـ16، مما يعني أن الفرق المتنافسة على اللقب قد تواجه خطر إقصاء بعضها البعض في وقت أبكر بكثير من السابق. ولتجنب هذا السيناريو، قرر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) فصل أقوى أربعة فرق، شريطة أن تتصدر كل منها مجموعتها.
الحقيقة هي أن هذا “الدرع” لا يضمن النجاح.
اضطرت الأرجنتين لخوض مباراة ماراثونية ضد سويسرا امتدت إلى الوقت الإضافي. وتغلبت إسبانيا تباعاً على البرتغال وبلجيكا. وفازت إنجلترا على المكسيك ثم النرويج – الفريق الذي أقصى البرازيل. كما كان على فرنسا التغلب على المغرب، أحد مفاجآت البطولة. لو فقد أي فريق صدارته أو خرج من البطولة، لانهار النظام الذي بنته الفيفا بالكامل.
بمعنى آخر، لا يوفر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) سوى الفرصة لإقامة مباريات كبيرة، لكن تحويل تلك الفرصة إلى حقيقة واقعة لا يزال يعتمد كلياً على الفرق.
كانت النتيجة النهائية أشبه بسيناريو مثالي. فهذه هي المرة الأولى منذ عام 1990 التي تتأهل فيها جميع الفرق الأربعة المتأهلة لنصف النهائي إلى نهائي كأس العالم. كما أنها المرة الأولى منذ إطلاق تصنيف الفيفا التي تتواجد فيها أفضل أربعة فرق في العالم في نصف النهائي.
والأهم من ذلك، أن الأسبوع الأخير من كأس العالم جمع تقريباً جميع الأسماء اللامعة في عالم كرة القدم. واصل ليونيل ميسي، البالغ من العمر 39 عاماً، قيادة الأرجنتين في رحلتها للدفاع عن لقبها. وخلق كيليان مبابي ولامين يامال مواجهة بين جيلين من نجوم كرة القدم الأوروبية. كما كان هاري كين وجود بيلينجهام وعثمان ديمبيلي ورودري حاضرين أيضاً.
حملت مباراتا نصف النهائي قصصاً مثيرة للاهتمام بما يكفي لجذب انتباه المشجعين في جميع أنحاء العالم.
ستواجه فرنسا إسبانيا في مباراة إعادة بعد بطولة أمم أوروبا 2024، حيث ستتاح لمبابي فرصة الثأر من يامال وزملائه. في الوقت نفسه، تُعدّ مواجهة إنجلترا والأرجنتين استمرارًا لواحدة من أعرق المنافسات في تاريخ كرة القدم العالمية، بدءًا من ربع نهائي 1966، و”يد الله” الشهيرة لدييغو مارادونا عام 1986، وصولًا إلى أول لقاء يجمع ليونيل ميسي بإنجلترا في كأس العالم.
من وجهة نظر تجارية، هذه هي تحديداً المباريات التي يرغب أي منظم في رؤيتها في المراحل الحاسمة من البطولة.
ظاهرياً، يفسر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) تغيير جدول البطولة كوسيلة لضمان “المنافسة العادلة”. ومع ذلك، في عصر تحدد فيه عائدات حقوق البث التلفزيوني والرعاية والجمهور العالمي قيمة كأس العالم، فإن زيادة احتمالية إقامة مباريات بين أفضل الفرق والنجوم تعني أيضاً حماية جاذبية البطولة.
لا يختلف هذا الأمر اختلافًا جذريًا عن العديد من الرياضات الأخرى. فلطالما وضع ويمبلدون المصنفين الأول والثاني في مجموعتين متقابلتين، بحيث لا يلتقيان إلا في النهائي، بينما لا يتقابل المصنفان الثالث والرابع إلا في نصف النهائي. كما يطبق دوري أبطال أوروبا مبدأً مشابهًا عند تحديد متصدري المجموعات.
يكمن الاختلاف في أن كأس العالم لطالما اعتُبرت رمزاً للعشوائية والنزاهة المطلقة. لذا، من المرجح أن يُثير أي تغيير في طريقة تنظيمها جدلاً واسعاً.
قد تتباين الآراء حول ما إذا كان الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) يُحابي الفرق الكبيرة. لكن الحقيقة هي أن ما تُغيره المنظمة ليس نتائج المباريات، بل طريقة تصميم البطولة. ففي كرة القدم الحديثة، لم يعد نظام المنافسة مجرد مسألة فنية، بل أصبح جزءًا من استراتيجية تطوير المنتج.
المصدر:
