أجبرت إسبانيا المنتخب الفرنسي على التغيير.
عندما غادر المنتخب الفرنسي أرض الملعب بعد هزيمته أمام إسبانيا في نصف نهائي بطولة أمم أوروبا 2024 في ميونخ، لم تكن خيبة الأمل مقتصرة على خسارة مكانه في النهائي فحسب. بالنسبة للمدرب ديدييه ديشامب، كشفت تلك الخسارة أيضاً عن قصور أسلوب اللعب الذي أوصل “الديوك” إلى نهائيين متتاليين في كأس العالم، ولكنه لم يعد قوياً بما يكفي لمنافسة المعايير الجديدة لكرة القدم الأوروبية.
تقدمت فرنسا بهدف سجله راندال كولو مواني، لكن إسبانيا سرعان ما استعادت زمام المبادرة. سجل لامين يامال وداني أولمو هدفين قبل نهاية الشوط الأول، بينما سيطرت “لا روخا” تماماً على مجريات اللعب، مستغلة المساحات ومتحكمة في إيقاع المباراة. أما فرنسا، التي اعتمدت على خط دفاع منخفض واستراتيجية الهجمات المرتدة طوال معظم البطولة، فقد كانت في معظمها تلاحق الكرة فقط.
أصبح ذلك الفشل حافزاً للإصلاح.
في بطولة أمم أوروبا 2024، لم يسجل المنتخب الفرنسي سوى هدفين من اللعب المفتوح، وعانى كثيراً أمام الدفاعات المنظمة. ساعدت خطة 4-3-3، التي تركز على الصلابة واللعب المباشر، فرنسا على الدفاع بفعالية، لكن إسبانيا كشفت عن نقطة ضعف واضحة: افتقر فريق ديدييه ديشامب للإبداع في المساحة بين خط الوسط والهجوم عند ظهور فرص الهجمات المرتدة.
بعد البطولة، قام المدرب ديدييه ديشامب بتغيير كل من اللاعبين والنظام التكتيكي تدريجياً.
مع رحيل لاعبين مخضرمين مثل أنطوان غريزمان، وأوليفييه جيرو، وبنجامين بافارد، وكينغسلي كومان تدريجياً عن الفريق، برز جيل أصغر سناً بعد مشاركة فرنسا في الألعاب الأولمبية. أضفى ديزيريه دويه، ومانو كونيه، ومايكل أوليس جودة فنية أعلى، وسرعة حركة أكبر، ومرونة تكتيكية أوسع، مما سمح لديشامب بالانتقال تدريجياً إلى تشكيلة 4-2-3-1 أكثر هجومية.
قد يعجبك أيضاً
لكن التغيير لم يقتصر على الخطة التكتيكية فحسب.
بدأ المنتخب الفرنسي بالتركيز أكثر على السيطرة على الكرة، والضغط العالي في نصف ملعب الخصم وخلق تفوق عددي عبر الخطوط، بدلاً من الاعتماد بشكل كامل تقريبًا على الهجمات المرتدة السريعة كما كان من قبل.
أصبح مايكل أوليس حلقة وصل أساسية في تلك المرحلة الانتقالية، حيث كان ينتقل باستمرار إلى وسط الملعب لربط خط الوسط بخط الهجوم. في الوقت نفسه، قدّم ديزيريه دويه وعثمان ديمبيلي حركة متواصلة وضغطًا مكثفًا للغاية.

والأهم من ذلك، أن كيليان مبابي قد تأقلم أيضاً مع أسلوب اللعب الجماعي الجديد. فبدلاً من التركيز على الهجوم فقط، بدأ قائد المنتخب الفرنسي بتولي مهام ضغط محددة من خط الهجوم لعرقلة توزيع الكرة لدى الخصم. ويساعد نشاط مبابي المتزايد بدون كرة فرنسا على الحفاظ على نظام ضغط متزامن وفعّال، مما يُهيئ الأساس للرباعي الهجومي للضغط على الخصوم سواءً كانت الكرة بحوزتهم أم لا.
سيتضح مدى تقدم المنتخب الفرنسي عندما يواجه إسبانيا مرة أخرى في نصف نهائي دوري الأمم الأوروبية في يونيو 2025.
رغم خسارة فرنسا للمباراة المثيرة بنتيجة 4-5، إلا أن الوضع التكتيكي كان مختلفًا تمامًا. فقد سددت 24 تسديدة، أي أكثر بـ 16 تسديدة من إسبانيا، وسيطرت على الكرة لفترات أطول، ومارسَت ضغطًا أشد بكثير مما كان عليه الحال في مباراتهما في ميونخ. وقد أثبتت أخطاء دفاعها التجريبي تكلفتها الباهظة، لكن الفارق الفني بين الفريقين تقلص بشكل ملحوظ.
لم يتخل المنتخب الفرنسي عن الصفات التي جعلته في يوم من الأيام أحد أقوى الفرق في البطولات الكبرى. فهو لا يزال يتمتع بلياقة بدنية فائقة، وقدرة هجومية مرتدة حادة، ويُشكّل خطراً داهماً عندما تُتاح له الفرصة.
ومع ذلك، أضاف المنتخب الفرنسي الآن عناصر افتقر إليها في ميونيخ: القدرة على التحكم في المباراة، والصبر في تكتيكاتهم، والمرونة التكتيكية.
قبل عامين، أنهت إسبانيا حلم فرنسا بالفوز ببطولة أوروبا. لكن تلك الهزيمة تحديداً هي التي دفعت المنتخب الفرنسي، دون قصد، إلى التغيير، مما ساعدهم على أن يصبحوا فريقاً أكثر تكاملاً وقادراً على منافسة الفريق نفسه الذي أجبرهم على التطور.
المصدر:
