ميسي يتجول في الملعب وهو يحلل خصمه خلال مباراة نصف النهائي بين الأرجنتين وإنجلترا (صورة: غيتي).
في كرة القدم الحديثة، غالباً ما يركز المشاهدون على اللاعبين ذوي اللياقة البدنية الاستثنائية، الذين يركضون بلا كلل طوال التسعين دقيقة. إلا أن ليونيل ميسي يُعد استثناءً بارزاً، فقد حوّل “المشي” على أرض الملعب إلى فن راقٍ، مُغيراً تماماً مفهومنا للمساحة والتفكير التكتيكي.
ميسي يتجول في الملعب وهو يحلل خصمه خلال مباراة نصف النهائي بين الأرجنتين وإنجلترا (صورة: غيتي).
تكشف إحصائيات صحيفة “ذا أثليتيك” بشأن كأس العالم 2026 عن رقم صادم: يقضي ميسي 89% من وقت المباراة في المشي أو الوقوف. فبدلاً من الركض بحماس في الملعب، يقضي النجم البالغ من العمر 39 عاماً وقته في المراقبة.
بحسب المدرب بيب غوارديولا، فإن أول 10 دقائق لميسي في المباراة هي في الأساس عملية بناء “خريطة ذهنية” لكيفية عمل تشكيل الفريق المنافس.
بفضل امتناعه عن الضغط المكثف، يحافظ ميسي دائماً على هدوئه المطلوب. فعندما تصل الكرة إلى قدميه، لا يحتاج إلى التخمين لأنه يعرف مسبقاً مواقع جميع اللاعبين في الملعب.
ولهذا السبب، حتى مع محدودية حركته، يظل ميسي كابوسًا للفريق المنافس، حيث سجل 8 أهداف وقدم 4 تمريرات حاسمة في كأس العالم 2026.
لكن فوز الأرجنتين على إنجلترا لم يكن بفضل تألق ميسي وحده، بل بفضل مدرب بارع في قراءة مجريات المباراة، سكالوني، الذي تجرأ على المخاطرة في الوقت المناسب وحوّل دكة البدلاء بأكملها إلى سلاح تفوق تمامًا على المدرب توماس توخيل.
بعد التقدم في النتيجة، تراجع فريق توماس توخيل بشكل استباقي إلى الخلف، مما جعل المباراة تحديًا صعبًا للأرجنتين. ومع ذلك، وبدلًا من الذعر، أجرى المدرب سكالوني تبديلًا حاسمًا في الدقيقة 63: سحب لاعب الوسط الدفاعي لياندرو باريديس وأدخل نيكولاس غونزاليس.

أثار المدرب سكالوني إعجاب الجميع بتغييراته في كأس العالم 2026 (صورة: غيتي).
هذه مقامرة حقيقية. إزالة “الدرع” في خط الوسط أثناء التأخر في النتيجة سيجعل مرمى الأرجنتين عرضة للهجمات المرتدة في أي لحظة.
لكن تلك الجرأة بالذات أطلقت العنان لميسي، مما أتاح مساحةً لإنزو فرنانديز وماك أليستر. ومنذ تلك اللحظة، فقدت إنجلترا السيطرة تمامًا، ولم تستحوذ على الكرة إلا بنسبة 12% فقط من الوقت، واختنقت تحت الضغط المتواصل من الأرجنتين.
كان الفرق بين المدربين واضحًا: فبينما أجرى توخيل التبديلات للحفاظ على تقدم طفيف، أجرى سكالوني التبديلات سعيًا وراء الفوز. لم تُخلّ التغييرات المتتالية التي طرأت على رودريغو دي بول، ولاوتارو مارتينيز، وأوتاميندي، ومونتيل ببنية الفريق؛ بل على العكس، ساعدت الأرجنتين على الحفاظ على أعلى مستوى من الضغط العالي.
بحسب تقييمات موقع Sofascore، قدّم اللاعبون الذين شاركوا كبدلاء، مثل لاوتارو مارتينيز (7.3 نقطة) ودي بول (7.1 نقطة)، أداءً مذهلاً. وهذا يدل على التحضير الدقيق والثقة المطلقة التي يوليها سكالوني للاعبيه.
كان لاوتارو مارتينيز، الذي حسم مصير إنجلترا في الوقت بدل الضائع، واحداً من بين العديد من اللاعبين الذين استخدمهم المدرب سكالوني بفعالية طوال البطولة، بدءاً من المباراة ضد مصر وصولاً إلى المواجهة الحاسمة مع منتخب الأسود الثلاثة.
لا يكمن الجانب الأكثر إثارة للرعب في هذا المدرب الاستراتيجي البالغ من العمر 48 عامًا في تشكيلاته التكتيكية المعقدة. فهو يحافظ على أسلوبه الكروي المعهود، والذي يتمحور حول ميسي، لكن كل لاعب يدخل الملعب يُحسّن أداء الفريق أكثر من اللاعبين الذين يغادرونه. هذه براعة في إدارة اللاعبين لا يتقنها كل مدرب.

عانق لاوتارو مارتينيز ميسي وهو يبكي بشكل لا يمكن السيطرة عليه، بعد الفوز المثير على إنجلترا (صورة: غيتي).
قد يعجبك أيضاً
مع تقدم المباراة، أظهرت الأرجنتين بوادر البطولة. وبينما تراجع المنتخب الإنجليزي أكثر فأكثر إلى نصف ملعبه، مُظهِراً إحباطه، حافظت الأرجنتين على إيقاع هجومي متواصل حتى تعادل إنزو فرنانديز، ثم أكمل لاوتارو مارتينيز عودة الفريق.
لم يكن الفوز بنتيجة 2-1 مجرد تذكرة للتأهل إلى النهائي، بل كان تأكيداً على مكانة ليونيل سكالوني. فعندما يتمكن المدرب من تحويل خمسة تبديلات إلى خمس حركات فعّالة، يصبح الفوز ليس مجرد مسألة حظ.
إنه التقاء الشجاعة والذكاء ونوعية القائد الذي يعرف كيف يحقق المجد.
المصدر:


