لم تبدأ تلك الهزيمة بهدف التعادل الذي سجلته الأرجنتين، بل بدأت عندما قررت إنجلترا التراجع إلى الخلف، والتحول إلى خط دفاعي بخمسة لاعبين، وتسليم زمام المباراة بالكامل لمنافسيها.
تُظهر الأرقام أدناه أن فشل إنجلترا لم يكن مجرد نتيجة لضعف المهارات الفردية أو خطأ دفاعي، بل فشلوا لأنهم فقدوا جميع الأدوات اللازمة للعب كرة القدم.
نسبة الاستحواذ 12%: التخلي عن السيطرة على المباراة.
منذ اللحظة التي افتتح فيها غوردون التسجيل وحتى تقدمت الأرجنتين بنتيجة 2-1، لم تسيطر إنجلترا على الكرة إلا بنسبة 12% تقريبًا.
حتى الفرق المعروفة بنهجها العملي نادراً ما تقبل بنسب استحواذ منخفضة كهذه لفترة طويلة.
لم يعد هذا دفاعًا يعتمد على الهجمات المرتدة. بل هو أشبه بقبول الاستحواذ الكامل من الخصم، مما يعني أن كل مرحلة دفاعية تطول، ويُمارس ضغط مستمر على الدفاع، ولا يملك خط الوسط وقتًا لإعادة تنظيم صفوفه.
في كرة القدم الحديثة، لا يقتصر الدفاع على صدّ الهجمات فحسب، بل يُعدّ الاستحواذ على الكرة أيضاً شكلاً من أشكال الدفاع. وقد تخلى عن ذلك.
استحوذت الأرجنتين على الكرة بنسبة 93% بعد أن غيرت إنجلترا تشكيلتها.
عندما دخل إزري كونسا إلى أرض الملعب وتحولت إنجلترا إلى خطة دفاعية بخمسة لاعبين، تغيرت المباراة تماماً. سيطرت الأرجنتين على الاستحواذ بشكل شبه كامل، بنسبة تصل إلى حوالي 93%.
الأمر الجدير بالملاحظة ليس زيادة استحواذ الأرجنتين على الكرة، بل عدم قدرة إنجلترا على الاحتفاظ بالكرة لفترة كافية لإبطاء وتيرة المباراة.

في كل مرة يستحوذون فيها على الكرة، يفقدونها بعد بضع تمريرات فقط. وفي كل مرة يفقدون فيها الكرة، تشنّ الأرجنتين هجمة جديدة.
إنها حلقة مفرغة تخنق الفريق تدريجياً.
لم يلمس اللاعبون الكرة داخل منطقة جزاء الأرجنتين.
هناك إحصائية أشدّ رعباً من مجرد الاستحواذ على الكرة. فبعد تسجيل الهدف الأول، لم يلمس المنتخب الإنجليزي الكرة ولو لمرة واحدة داخل منطقة جزاء الأرجنتين. وهذا يعني أن نظام الهجمات المرتدة لديهم قد اختفى تماماً.
الفريق الذي لا يستطيع إيصال الكرة إلى مناطق خطيرة لن يتمكن من إثارة قلق الخصم. وعندما يزول هذا الخطر، يصبح لدى الأرجنتين دافع أكبر لدفع فريقها بأكمله إلى نصف الملعب المقابل.
قد يعجبك أيضاً
وبالتالي، أصبح الدفاع أكثر صعوبة.

سبع تمريرات فقط في نصف ملعب الخصم.
بين وصول كونسا وتقدم الأرجنتين بنتيجة 2-1، لم تتمكن إنجلترا إلا من تمرير الكرة سبع مرات فقط في نصف ملعب الخصم.
تُظهر هذه الأرقام أنهم لم يتمكنوا من الإفلات من الضغط الأولي. لم تكن هناك فترات تمرير كافية. لم يكن لدى لاعبي خط الوسط الوقت الكافي لرفع رؤوسهم ومراقبة الوضع. ولم تكن هناك فرصة للمهاجمين لتنظيم هجمة مرتدة.

لم يتمكن هجوم إنجلترا من لمس الكرة إلا مرة واحدة في الثلث الأخير من الملعب خلال الفترة التي كان الأرجنتين يضغط فيها عليهم.
حتى مهاجم بارع مثل هاري كين لا يستطيع إحداث فرق إذا لم تصل الكرة إلى قدميه.
لم تعد هذه مجرد قصة عن مستوى هاري كين، بل هي نتيجة للنظام بأكمله.
أنهت إنجلترا المباراة بتسديدة واحدة فقط على المرمى. وكان ذلك أيضاً الهدف الافتتاحي.
وبصرف النظر عن تلك اللحظة، لم تواجه الأرجنتين أي ضغط يُذكر من منتخب الأسود الثلاثة.
لا يمكن لفريق يسعى للفوز بكأس العالم أن يعتمد على ضربة حظ واحدة.

لم يكن الفشل من جانب الدفاع.
بعد المباراة، جادل الكثيرون بأن إنجلترا خسرت بسبب افتقارها لمدافع مركزي أو بسبب أخطاء في دفاعها.
لكن البيانات تروي قصة مختلفة. لم يخسروا بسبب ضعف الدفاع؛ بل خسروا لأنهم لم يعودوا قادرين على الاحتفاظ بالكرة، ولم يكن هناك من يستطيع الإفلات من الضغط، ولم تعد هناك تمريرات تتجاوز خط منتصف الملعب.
ومنذ تلك اللحظة، لم تعد إنجلترا تشكل أي تهديد كبير بما يكفي لإجبار الأرجنتين على التراجع.
عندما لا يحتاج الخصوم للدفاع، سيركزون كل جهودهم على الهجوم. وهذا ما يزيد الضغط ويجعل استقبال هدف أمراً شبه حتمي.
قرار واحد، تأثير الدومينو.
تُظهر كرة القدم الحديثة بشكل متزايد أن الدفاع لا يعتمد فقط على عدد المدافعين.
إن قرار تغيير التشكيلة يمكن أن يخلق تأثيراً متسلسلاً: يتراجع خط الوسط إلى الخلف، وتزداد المسافة بين لاعبي الفريق، ويصبح المهاجمون أكثر عزلة، وتتلاشى السيطرة على المباراة تدريجياً من الفريق المتصدر.

هذا بالضبط ما حدث لفريق إنجلترا.
إن أرقاماً مثل 12%، 93%، 7، أو 0 ليست مجرد إحصائيات، بل هي دليل على أن منتخب إنجلترا فقد السيطرة على المباراة قبل وقت طويل من تسجيل الأرجنتين هدف الفوز الحاسم.
وفي كرة القدم على أعلى المستويات، لا تنبع الهزيمة أحيانًا من لحظة تسجيل الخصم للهدف، بل من اللحظة التي تسلم فيها السيطرة على المباراة لهم طواعية.
المصدر:
