بحسب إحصائيات أوبتا ، سُجِّل ما يقارب 30% من أهداف البطولة ابتداءً من الدقيقة 75. ومن بين هذه الأهداف، شكّلت الأهداف المُسجَّلة في الوقت بدل الضائع (بعد الدقيقة 90 أو 120) حوالي 12%. تُبرز هذه الأرقام قسوة البطولة وعدم القدرة على التنبؤ بنتائجها هذا العام.
هناك عدة أسباب وراء هذا التوجه. فظروف الطقس الحارة والرطبة تُرهق اللاعبين بسهولة قرب نهاية المباراة، مما يؤدي إلى أخطاء حاسمة. كما أن الوقت الإضافي أطول، حيث تصل مدة العديد من المباريات إلى 20 دقيقة إضافية. علاوة على ذلك، أصبح وجود لاعبين بدلاء أكفاء لإحداث الفارق في المراحل الأخيرة من المباراة توجهاً شائعاً.
لكن عندما يتعلق الأمر بالأهداف المتأخرة، فإن أول اسم يتبادر إلى ذهن الكثيرين هو بلا شك الأرجنتين.
أبقت جميع مباريات الأرجنتين الأربع في الأدوار الإقصائية لكأس العالم 2026 المشاهدين في حالة ترقب شديد حتى اللحظة الأخيرة. وقد أبقى فريق ليونيل سكالوني الجماهير في حالة ترقب دائم قبل توجيه الضربات القاضية.
من بين الأهداف الـ 19 التي سجلتها الأرجنتين في 7 مباريات، جاء 7 منها في أول 75 دقيقة، و8 منها من الدقيقة 75 حتى نهاية الوقت بدل الضائع في كلا الشوطين، و4 منها في الوقت الإضافي في المباراتين الممتدتين ضد الرأس الأخضر وسويسرا .
باستثناء المباراتين اللتين امتدتا إلى الوقت الإضافي، شهدت كلتا المباراتين اللتين شهدتا عودة الأرجنتين أمام مصر وإنجلترا تسجيل هدف الفوز في الوقت بدل الضائع.
لا داعي لمزيد من النقاش حول سبب تأخر الأرجنتين في كثير من الأحيان قبل أن تعود بقوة. الأهم من ذلك هو قدرتهم الدائمة على إحداث الفارق تحت أقصى الضغوط.
يكمن الجواب في مزيج من الشخصية والتكتيكات والخبرة الميدانية ولمسة من المكر الذي يميز كرة القدم في أمريكا الجنوبية، والخوف الذي يزرعونه في خصومهم.
الأرجنتين تعرف كيف تنتظر اللحظة المناسبة للانقضاض.
إن اعتماد الأرجنتين المفرط على ميسي حال دون قدرتها على الحفاظ على أسلوب الضغط العالي المكثف الذي يميز أفضل الفرق الأوروبية لفترات طويلة. ففي سن التاسعة والثلاثين، لم يعد ميسي يمتلك القدرة البدنية اللازمة لخوض سباقات سريعة باستمرار.
لذا، اختار سكالوني نهجًا مختلفًا. لعبت الأرجنتين بوتيرة أبطأ، مع التركيز على التمريرات القصيرة والمتوسطة المدى لتوفير الطاقة. تقبلوا عدم السيطرة الكاملة على مجريات المباراة، لكنهم حافظوا على هدوئهم في المراحل الأخيرة منها، عندما بدأ خصومهم يشعرون بالتعب.
في ذلك الوقت أيضاً، أظهر اللاعبون البدلاء قيمتهم. فقد ساهم لاوتارو مارتينيز ونيكو غونزاليس، كلما دخلا الملعب، في تسريع هجوم الأرجنتين. وفي مباراة نصف النهائي ضد إنجلترا، كان لاوتارو هو من ظهر في اللحظة المناسبة ليسجل هدف الفوز برأسية في المباراة التي انتهت بنتيجة 2-1.
لكن قبل كل شيء، إنه ميسي. في التاسعة والثلاثين من عمره، لم يعد ميسي يُحدث الفارق بسرعته الخاطفة أو انطلاقاته الفردية المتواصلة كما كان في أوج عطائه. بدلاً من ذلك، يستخدم قدرته على قراءة مجريات المباراة، واختيار مركزه، واتخاذ قرارات لا تستغرق سوى ثوانٍ لتغيير مسارها.
عندما يبدأ دفاع الخصم بالتعب، غالباً ما يفقد تركيزه أو يُضطر لإرسال لاعبين أو ثلاثة إضافيين لمراقبة ميسي عن كثب. هذه الثغرة تُتيح فرصاً للاعبي خط الوسط الثاني للاختراق والتسجيل. وقد استغل إنزو فرنانديز هذا الأمر في هدف التعادل الذي سجله ضد إنجلترا في نصف النهائي.
كان ميسي مساهماً بشكل مباشر في معظم أهداف الأرجنتين المتأخرة. فقد سجل هدف الفوز ضد النمسا، وأحرز هدفاً ضد الأردن، وعادل النتيجة ضد مصر. إضافة إلى ذلك، صنع ميسي هدفاً لروميرو في مباراة مصر، ثم صنع هدفين لإنزو فرنانديز ولاوتارو مارتينيز ضد إنجلترا.
منذ بداية البطولة، سجل ميسي 8 أهداف وقدم 4 تمريرات حاسمة.
الأرجنتين تحمل عبء التاريخ.
إن أهم عامل يساعد الأرجنتين على تجاوز الأوقات الصعبة باستمرار يكمن فيما يمكن تسميته “جينات المباريات الكبيرة”.
على غرار ريال مدريد، الذي يتمتع دائماً بهوية فريدة في دوري أبطال أوروبا، فإن الأرجنتين فريقٌ مبنيٌّ على الخبرة والإيمان بقدراته على الساحة العالمية. فقد وصلوا إلى نهائيات كأس العالم سبع مرات، ويدركون تماماً كيفية تحقيق التوازن الدقيق بين النصر والهزيمة.
يكمن في هذا الحمض النووي القدرة على التعامل مع اللحظات العصيبة، وخبرة معرفة متى يجب إبطاء اللعب، ومتى يجب ارتكاب الأخطاء التكتيكية، ومتى يجب حماية الميزة، ومتى يجب المجازفة بكل شيء في محاولة أخيرة يائسة.
كما يتضمن ذلك القدرة على تحمل الضغط في المواقف الحاسمة: مثل تسديد ركلة حرة في اللحظة الأخيرة، أو التقدم لتسديد ركلة جزاء وسط آلاف من صيحات الاستهجان، أو الحفاظ على الهدوء عندما يبدو كل شيء ضدك.
| نادراً ما يصاب المنتخب الأرجنتيني بالذعر. فهم لا يندفعون لتسديد الكرة بدافع اليأس، ولا يظهرون نفاد صبرهم في تصرفاتهم. |
لا تقتصر مهارات الأرجنتين على المهارات الفنية فحسب، بل تمتلك أيضاً المثابرة والدهاء والصلابة الذهنية لفريق معتاد على مواجهة الصعاب.
تحت قيادة ميسي، ازداد هذا الهدوء وضوحًا. نادرًا ما أصيب المنتخب الأرجنتيني بالذعر. لم يندفعوا للتسديد بيأس، ولم يُظهروا أي تهور في تصرفاتهم. حتى في الدقائق الأخيرة من المباراة، ظلوا يُشعِرون بشعور مألوف: سيجدون طريقة للتغلب على هذا.
قد يعجبك أيضاً
هذا هو الفرق الكبير بين الأرجنتين والعديد من منافسيها.
بينما يسعى الجيل الحالي من اللاعبين الإنجليز إلى التخلص من وطأة التاريخ، تختار الأرجنتين احتضانه. ذكريات مارادونا، وعقود من التنافس، والفخر الوطني حاضرة في كل مكان، من الجداريات واللافتات في المدرجات إلى الأغاني التي تُغنى في بوينس آيرس وعبر أمريكا.
تتحول تلك الطاقة العاطفية إلى سلاح خاص.
يدرك كل لاعب أرجنتيني أن الهزيمة ليست مجرد نتيجة رياضية، بل هي أيضاً مسألة تتعلق بكبرياء أمة كروية بأكملها. وهذا ما يخلق لديهم نوعاً مختلفاً من العزيمة عند مواجهة الصعاب.
قد تُحسم نتيجة المباراة بالتكتيكات. والتاريخ يصنع القصص. ولكن في نهاية المطاف، الروح الإنسانية هي التي تجعل كأس العالم مميزاً.
وفي هذه البطولة، ربما يكون المنتخب الأرجنتيني هو الفريق الذي يجسد هذه الروح على أفضل وجه.
المصدر:
