كان فريق إنجلترا خائفاً جداً لدرجة أنهم خسروا!

كان فريق إنجلترا خائفاً جداً لدرجة أنهم خسروا!
خيبة أمل المنتخب الإنجليزي. الصورة: أسوشيتد برس.

كان فريق إنجلترا خائفاً جداً لدرجة أنهم خسروا!

مباراة نصف النهائي الثانية لكأس العالم 2026 هي مواجهة بين فريقين متنافسين تربطهما علاقة تاريخية طويلة، ليس فقط في كرة القدم. فبينما قد يعتبر اللاعبون والمشجعون الإنجليز النتيجة مجرد إنجاز رياضي، إلا أنها بالنسبة للاعبين والمشجعين الأرجنتينيين تحمل معاني أعمق بكثير. والدليل على ذلك هو قيام بعض اللاعبين والمشجعين الأرجنتينيين بعد المباراة برفع لافتات كُتب عليها: “مانفيناس تنتمي للأرجنتين”، متجاهلين خطر تعرض اتحادهم لكرة القدم لعقوبات من الفيفا.

بالعودة إلى المباراة، لم يكن الشوط الأول جيدًا بالنسبة للكثيرين، إذ خلا من الأهداف، وقلّت فرص التسجيل، وساد جوٌّ متوترٌ تخللته العديد من الأخطاء من كلا الفريقين. تنافس لاعبو الفريقين بشراسة على الكرة، مانعين بعضهم بعضًا من المساحة والوقت للسيطرة عليها. فهل كانت إنجلترا أم الأرجنتين هي من أشعلت فتيل هذا التوتر في الشوط الأول؟ من خلال مجريات اللعب، وطريقة تدخلاتهم، وتصرفاتهم بعد الاحتكاكات، بدا وكأن لاعبي إنجلترا هم من تعمدوا خلق هذا الجو المتوتر.

خيبة أمل المنتخب الإنجليزي. الصورة: أسوشيتد برس.

كان هذا النهج الهجومي والاستباقي، والذي يميل إلى ارتكاب الأخطاء – على عكس أسلوب اللعب الإنجليزي المعتاد – هو ما فاجأ اللاعبين الأرجنتينيين. ومع ذلك، فقد أظهر الواقع على أرض الملعب أن اللاعبين الإنجليز حدّوا بشكل كبير من قدرات خصومهم الهجومية. حتى ليونيل ميسي، اللاعب المتميز في المساحات الضيقة، كان مراقباً باستمرار وغير قادر على إحداث تأثير يُذكر. لم يسبق له أن ارتكب مثل هذا العدد الكبير من التمريرات الخاطئة وفقدان الكرة. اضطر إلى التراجع إلى عمق نصف ملعبه، ليصبح أكثر عزلة عن المناطق التي تُتيح له خلق الفرص من المعتاد. منذ بداية البطولة وحتى الآن، إذا أردت أن تجد فريقاً نجح في احتواء ميسي، فهو إنجلترا، وقد فعلوا ذلك بالفعل في الشوط الأول من هذه المباراة.

كان من أبرز سمات هجوم إنجلترا المبكر، قبل الهدف الأول، كثرة مراوغاتهم واختراقاتهم لمنطقة جزاء الخصم. لطالما كان يُنظر إلى المراوغة على أنها غير مُشجعة في كرة القدم الحديثة، باعتبارها فردية وغير فعّالة، إذ لا تتجاوز سوى لاعب واحد، بينما تُمكّن التمريرة الجيدة من تجاوز عدة لاعبين، ناهيك عن إمكانية تعطيل إيقاع هجوم الفريق. مع ذلك، ومع ازدياد دقة وتطور تكتيكات كرة القدم الحديثة، وازدياد تنظيم الدفاعات بشكل منهجي، يبدو أن هذه المناورات الفردية العفوية بالمراوغة أصبحت حلاً فعالاً، إذ تُفاجئ وتُربك دفاع الخصم. وهذا بالضبط ما فعله مهاجمو إنجلترا بشكل متكرر وفعّال في بداية هذه المباراة.

قد يعجبك أيضاً

في بداية الشوط الثاني، وفي مباراة متكافئة مع تفوق طفيف لإنجلترا، سجلوا هدف التقدم. ومنذ تلك اللحظة، انقلبت المباراة رأسًا على عقب. تراجعت إنجلترا بشكل استباقي إلى الدفاع، تاركةً السيطرة الكاملة للاعبين الأرجنتينيين. لم يعد ميسي تحت السيطرة؛ فقد أصبح حرًا في التحرك على الجناح الأيمن، بالقرب من منطقة جزاء الخصم. كان هذا موقعًا يُمكّنه من تمرير الكرة إلى منطقة الجزاء في أي لحظة، أو مراوغة المدافعين ثم تسديد الكرة بقدمه اليسرى ببراعة. عند هذه النقطة فقط من المباراة، برزت فعالية ميسي، وتوالت فرص الأرجنتين.

كانت هناك مواقف ترك فيها اللاعبون الإنجليز الأمور تتكرر دون تدخل. أولًا، كانت هناك الركلات الركنية على الجناح الأيمن. لم يسدد ميسي عاليًا نحو المرمى، بل مرر الكرة تمريرة قصيرة للخلف، فأعادها إليه زميله. أحيانًا كان النجم يمرر الكرة فورًا، وأحيانًا أخرى كان يحتفظ بها لبرهة منتظرًا فرصة مناسبة لتمريرها عاليًا، أو يراوغ جانبًا مهددًا بالتسديد، ولكن مهما كانت طريقة تعامله مع الموقف، فقد كان دائمًا يشكل خطرًا محتملًا. الغريب أن مدرب إنجلترا والمدافعين لم يتحركوا، ولم يرسلوا أي لاعب للتدخل وقطع الهجمة.

ومن المواقف المتكررة الأخرى تسديدة إنزو فرنانديز بعيدة المدى التي أسفرت عن هدف التعادل الكارثي في ​​الدقائق الأخيرة من المباراة. قبل ذلك الهدف، كان قد سدد ثلاث أو أربع تسديدات خطيرة مماثلة بعيدة المدى، ومع ذلك لم نرَ اللاعبين الإنجليز يتخذون أي إجراءات فعالة لصدها، تاركين كل شيء للحارس جوردان بيكفورد.

من المرجح أن المدرب توماس توخيل كان قد أدرك المشكلة حتى قبل تلقي الهدف الأول، لكنّ الأمور كانت قد حُسمت، ولم يكن هناك مجال للتراجع. لم يكن بوسعه سوى إجراء تعديلات، لا تغيير مجرى المباراة. كانت النتيجة واضحة، وأدرك الجميع أن قرار الفريق الأوروبي بالتخلي عن السيطرة على خط الوسط والتراجع للدفاع عن النتيجة كان خطأً فادحاً.

لكن في نهاية المطاف، ما الذي أدى إلى هذا الاختيار الكارثي من قبل “الأسود الثلاثة”؟

ربما كان ذلك الخيار الخاطئ نابعًا من الخوف. ففي بداية المباراة، دخل لاعبو إنجلترا المباراة وهم مستعدون للاحتكاك الجسدي، بل ومستعدون لاستفزاز لاعبي الأرجنتين. هذا الأسلوب ليس من سماتهم الشخصية، بل هو أسلوب شائع بين لاعبي أمريكا الجنوبية، بمن فيهم لاعبو الأرجنتين، الذين يلجؤون بسهولة إلى أساليب ملتوية، كالتدخلات العنيفة، للتأثير نفسيًا على خصومهم. وقد استخدم لاعبو إنجلترا هذا الأسلوب بفعالية، وعندما نجحوا، تفوقوا على لاعبي الأرجنتين.

لكن لأن الأمر كان جهدًا، وليس سمة فطرية، تمامًا كما نصرخ غالبًا عندما نشعر بالخوف، فعندما سجلوا، عاد اللاعبون الإنجليز إلى عاداتهم المعتادة عند مواجهة الأرجنتين: كانوا خائفين، خائفين من عدم قدرتهم على احتواء خصومهم إذا لم يكن لديهم عدد كافٍ من اللاعبين في نصف ملعبهم، فتراجعوا إلى الدفاع. هذا الخوف واضحٌ جليًا إذا قارنا الفريق الإنجليزي باللاعبين الإسبان . رأينا كيف لعب اللاعبون الإسبان ضد فرنسا عندما كانوا متقدمين بهدفين؛ هذا هو جوهر الخوف، التقدم مع الاستمرار في الضغط، والاستمرار في السيطرة على الكرة كما لو لم يسجلوا هدفًا.

لن يتمكن المنتخب الإنجليزي من التغلب على “الوحش” الذي يمثله منتخب الأرجنتين إلا عندما يتغلب على خوفه.

المصدر: