إذا كان كأس العالم 2026 يكشف أي شيء عن الأرجنتين، فربما يكون ذلك مفارقة.
مع تقدم ليونيل ميسي في السن، يصبح فريقه أقل اعتماداً على اللاعب رقم 10. وعندما لم يعد مضطراً لحمل الفريق بأكمله على كتفيه، يمارس ميسي تأثيره بطريقة مختلفة.
ويُعد الفوز بنتيجة 2-1 على إنجلترا في الدور نصف النهائي أوضح دليل على ذلك.
لم يُسجّل ميسي أي هدف. كما أنه لم يعد يُقدّم تلك المراوغات الخاطفة التي كانت تُثير حماس الجماهير كما في أوج عطائه. طوال معظم المباراة، راقبه خط وسط المنتخب الإنجليزي عن كثب. ومع ذلك، تأهلت الأرجنتين إلى النهائي بفضل هدف التعادل الذي سجّله إنزو فرنانديز، وهدف الفوز الذي أحرزه لاوتارو مارتينيز، والأداء المميز لرودريغو دي بول، وكريستيان روميرو، والعديد من زملائه الآخرين.
هذه صورة مختلفة تماماً مقارنة بالأرجنتين قبل أكثر من عقد من الزمان.
في ذلك الوقت، كانت كل هزيمة تثير التساؤل عما إذا كان ميسي قد قدم ما يكفي، بينما كان كل فوز يُعتبر انتصارًا خالصًا للعبقري الذي يرتدي القميص رقم 10. امتلكت الأرجنتين أفضل لاعب في العالم ، لكنها في الوقت نفسه عاشت تحت ظله الهائل.
بعد كأس العالم 2018، لم يكتفِ المدرب ليونيل سكالوني بإعادة هيكلة الفريق، بل جهّزه أيضاً للمرحلة التي لم يعد فيها ميسي في أوج عطائه. خلال تلك الفترة، نضج كل من إنزو فرنانديز، وأليكسيس ماكاليستر، وجوليان ألفاريز، وكريستيان روميرو، وناهويل مولينا. لقد تطوروا جنباً إلى جنب مع القائد، بدلاً من أن يكونوا مجرد لاعبين احتياطيين له.
لذلك، عندما بلغ ميسي التاسعة والثلاثين من عمره، لم يضعف المنتخب الأرجنتيني كما توقع الكثيرون. بل أصبح الفريق أكثر توازناً تدريجياً، حيث تم توزيع المسؤولية على جميع أفراد المنظومة بدلاً من تركيزها على فرد واحد.
هذا لا يعني أن دور ميسي قد تضاءل، بل يعني فقط أن الطريقة التي يمارس بها تأثيره قد تغيرت.
قد يعجبك أيضاً
بينما كان ميسي في السابق يصنع الفارق بمهاراته في المراوغة، متجاوزاً العديد من المدافعين، فإنه الآن يغير طريقة دفاع الخصوم.
بمجرد أن يتراجع اللاعب رقم 10 لاستلام الكرة أو يتحرك إلى موقعه المعتاد على الجناح الأيمن، يتجمع الدفاع فورًا. اثنان، بل ثلاثة لاعبين، مستعدون للضغط، وهذا الموقع بالذات يتيح فرصًا لإنزو فرنانديز، أو لاوتارو مارتينيز، أو رودريغو دي بول لاستغلالها.
لم يعد ميسي مضطراً للركض لمسافات طويلة ليُحدث فرقاً. فقد أصبح وجوده جزءاً لا يتجزأ من كيفية إحداث الأرجنتين للفارق.
كان هذا واضحًا تمامًا في مباراة نصف النهائي. لم يُسجل ميسي هدفًا، لكنه ترك بصمته في لحظتين حاسمتين من المباراة: حيث شتت دفاع إنجلترا قبل هدف التعادل الذي سجله إنزو فرنانديز، وصنع هدف الفوز الذي سجله لاوتارو مارتينيز. قد لا تعكس الإحصائيات المعتادة هذا الأمر بشكل كامل، لكن بالنسبة للمنافسين، فإن مجرد امتلاك ميسي للكرة يكفي لإجبارهم على تغيير تنظيمهم الدفاعي.
إذا كان ميسي لا يزال الشخصية المحورية التي تربط الفريق على أرض الملعب، فإن ليونيل سكالوني ربما يكون هو من وضع الأساس للنمو الجماعي للفريق.
كانت هذه المباراة الإقصائية الثالثة على التوالي التي اضطرت فيها الأرجنتين للعودة من الخلف أو التغلب على إقصاء بدا محتوماً. عندما يتكرر هذا الأمر، يصعب اعتباره مجرد حظ. إنه يعكس فريقاً يحافظ على ثقته في أسلوب لعبه حتى عندما يُختبر إلى أقصى حدوده.
المباراة في نصف النهائي ضد إنجلترا هي أوضح مثال على ذلك.
بعد أن افتتح أنتوني جوردون التسجيل، تراجع فريق توماس توخيل بذكاء إلى الخلف لحماية تقدمه. في المقابل، لم يسارع المنتخب الأرجنتيني إلى زيادة وتيرة اللعب أو اللجوء إلى الكرات الطويلة الخطيرة، بل عمل بصبر على توسيع دفاع الخصم من خلال التمريرات المتقنة على الجناحين، مستفيدًا من سرعة ميسي ورودريغو دي بول للحفاظ على الضغط.
ربما يكمن الاختلاف في كيفية تفاعل الفريقين مع نقطة التحول في المباراة.
بينما ضيّق المنتخب الإنجليزي تدريجياً مساحة اللعب للحفاظ على تقدمه، واصل المنتخب الأرجنتيني توسيع نطاق هجومه. سعى أحد الفريقين لحماية النتيجة، بينما عمل الآخر بصبر لخلق فرصة جديدة للتسجيل.
عندما عادل إنزو فرنانديز النتيجة، كاد الشعور بأن الأرجنتين ستسجل هدفًا آخر أن يلوح في الأفق. ولذلك، بدا هدف لاوتارو مارتينيز الحاسم وكأنه نتاج عملية طويلة من الضغط المتراكم أكثر من كونه لحظة أداء خاطف.
تسبق الأرجنتين إسبانيا، وهي فريق شاب وسريع يتميز بأسلوب لعب عصري يُعدّ من بين الأحدث في البطولة. كما أن المباراة النهائية ستكون بمثابة مواجهة بين جيلين: ليونيل ميسي ولامين يامال.
بغض النظر عن النتيجة النهائية، يبدو أن كأس العالم 2026 قد شكّل نقطة تحوّل لكرة القدم الأرجنتينية. فبعد سنوات من اعتبارها فريق ميسي، باتت الآن تُشبه فريقاً قادراً على تقاسم المسؤولية مع أعظم لاعب في التاريخ.
ربما سيأتي الوقت الذي لن يظهر فيه ميسي بقميص المنتخب الأرجنتيني. ولكن إذا حدث ذلك، فمن المرجح أن تتقدم الأرجنتين بطريقة مختلفة عما كان متوقعاً قبل سنوات عديدة.
ومن يدري، فبعد سنوات عديدة من الآن، قد لا يُذكر كأس العالم 2026 فقط باعتباره آخر كأس عالم لميسي، بل أيضاً باعتباره البطولة التي أدرك فيها الأرجنتينيون أن منتخبهم الوطني قد نضج حقاً وتجاوز ظل تلك الأسطورة.
المصدر:
