لكل ميدالية قيمتها، لكن من الطبيعي أن يُخلّد اسم البطل. لذا، تُعتبر مباراة المركز الثالث مجرد جائزة ترضية أو ذات قيمة مالية. بالنسبة للرياضيين والفرق الأقل حظاً، تُعدّ الميدالية البرونزية إنجازاً رائعاً بحد ذاتها؛ أما بالنسبة للرياضيين والفرق النخبة، فإنّ خوض مباراة المركز الثالث يُعدّ عذاباً نفسياً لا يُطاق.
“لا أحد يرغب في خوض هذه المباراة، ولا حتى اللاعبون الفرنسيون”، هكذا صرّح المدرب توماس توخيل بصراحة قبل مباراة تحديد المركز الثالث بين إنجلترا وفرنسا في كأس العالم 2026. أكدت كلمات توخيل حقيقةً واقعة: عندما تطمح المنتخبات الكبرى للفوز بلقب كأس العالم، تفقد مباراة تحديد المركز الثالث الكثير من أهميتها.
في الواقع، تخلّت العديد من البطولات الرياضية منذ زمن طويل عن مباراة تحديد المركز الثالث، حيث يتقاسم اللاعبون أو الفرق التي تُقصى في نصف النهائي الميدالية البرونزية. حتى بطولة أمم أوروبا لكرة القدم (يورو) ألغت مباراة تحديد المركز الثالث عام 1984، معتبرةً إياها بلا جدوى ولا تترك للاعبين وقتًا كافيًا لاستعادة لياقتهم. في كأس العالم 2026، ورغم خسارة إنجلترا وفرنسا في نصف النهائي، اضطرتا للبقاء في الولايات المتحدة لأربعة أيام إضافية لخوض مباراة تحديد المركز الثالث، بينما كان اللاعبون وأعضاء الفريق قد أمضوا أكثر من شهر في المشاركة بالبطولة.
يُصرّ الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) على إقامة مباراة تحديد المركز الثالث لأسباب تجارية وإعلامية. كما يرى المنظمون أن هذه المباراة تُشكل حدثًا مُكملاً، يُحافظ على حماس الجماهير خلال فترة الانتظار قبل المباراة النهائية. بالنسبة للجماهير، تُتيح لهم هذه المباراة فرصة الاستمتاع بمباراة أخرى، أما بالنسبة للاعبين أنفسهم، فهي بمثابة عذاب نفسي.
أثارت مباراة تحديد المركز الثالث بين إنجلترا وفرنسا، التي أُقيمت في تمام الساعة الرابعة صباحًا بتوقيت فيتنام يوم 19 يوليو، جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي. وكتب الصحفي جو شاد (ESPN) على منصة التواصل الاجتماعي X: “بصراحة، لا ينبغي أن تتضمن بطولة كأس العالم مباراة لتحديد المركز الثالث. إنها مباراة مؤلمة للغاية وغير ذات جدوى بالنسبة للاعبين والمنتخبات الوطنية”.
أعرب ديف بورتنوي، مؤسس موقع بارستول سبورتس، عن رأيه القوي قائلاً: “لحظة، هل ما زالت بطولة كأس العالم تتضمن مباراة لتحديد المركز الثالث؟ إنها مباراة للخاسرين. ربما تكون هذه المباراة الأكثر إحباطاً على الإطلاق.”
ومع ذلك، لا تزال مباراة تحديد المركز الثالث ذات قيمة كبيرة للعديد من الفرق. فإلى جانب فارق الجائزة المالية بين المركزين الثالث والرابع، تُعدّ هذه المباراة فرصة للاعبين الشباب لاكتساب الخبرة، كما أنها تُساعد الفرق على إنهاء البطولة بفوز بدلاً من خسارتين متتاليتين.
يشهد تاريخ كأس العالم العديد من مباريات تحديد المركز الثالث المثيرة، حيث تعتبرها فرق كثيرة مسألة فخر بعد إخفاقها في الوصول إلى النهائي. على سبيل المثال، فازت كرواتيا على المغرب 2-1 في كأس العالم 2022، وفازت ألمانيا على أوروغواي 3-2 في كأس العالم 2010… ولكن هناك أيضاً فرق تدخل مباراة تحديد المركز الثالث بقلوب مثقلة، مثل البرازيل التي خسرت 0-3 أمام هولندا في كأس العالم 2014؛ وإنجلترا التي خسرت 0-2 أمام بلجيكا في كأس العالم 2018…
من هذا المنظور، ربما يكون لدى إنجلترا أهداف أكثر لتحقيقها في مباراة تحديد المركز الثالث مقارنةً بفرنسا. بالنسبة لكرة القدم الإنجليزية، قد يُسهم الفوز بالميدالية البرونزية في كأس العالم 2026 في تهدئة غضب الجماهير بعد العاصفة التي وجّهوها إلى الجهاز الفني، إذ لم ينهِ منتخب الأسود الثلاثة بعدُ غيابه عن منصات التتويج في كأس العالم لمدة 60 عامًا.
المصدر:
