القوة من المصادر الثقافية

القوة من المصادر الثقافية
القوة من المصادر الثقافية

وُلد مبابي في 20 ديسمبر 1998، بعد أشهر قليلة من فوز المنتخب الفرنسي بأول لقب له في كأس العالم، بجيل أسطوري من اللاعبين، جيل لم يسبق له مثيل. كان العديد من نجوم ذلك الوقت من أصول سنغالية ومغربية وجزائرية وكاليدونيا الجديدة… لكنهم جميعًا كانوا فرنسيين. في كأس العالم 2018، ثم 2022، وأخيرًا 2026، برز مبابي كقائد للمنتخب الفرنسي. مبابي – نتاج مزيج عرقي فريد في ضواحي باريس، حيث يمكن لكرة القدم أن تجلب الأمل، وحياة جديدة…

في عام 1998، يمكن القول إن المدرب إيمي جاكيه كان رائدًا في كسر التقاليد، متحديًا كل الانتقادات لإنشاء فريق رائع يضم لاعبين مثل زيدان، ديسايي، كاريمبو، تورام… قبل ذلك بأكثر من عقد بقليل، قاد العبقري ميشيل بلاتيني المنتخب الفرنسي للفوز ببطولة أمم أوروبا 1984 بتشكيلة لم تضم سوى لاعبين اثنين من ذوي البشرة السمراء، وليسوا من أصل فرنسي بالكامل: جان تيجانا وماريوس تريزور – الذي فقد مكانه لاحقًا بسبب الإصابة.

بعد ذلك الجيل، شهدت كرة القدم الفرنسية تراجعًا ملحوظًا، طغى عليه الجدل الدائر حول قضايا الهجرة والعنصرية. غيّرت هذه القوانين الكثير من الأمور، وكان لكرة القدم التأثير الأكبر. وحدثت ثورة حقيقية في عالم كرة القدم مع افتتاح المركز الوطني للتدريب في كليرفونتين، بمنطقة إيل دو فرانس على مشارف باريس، والذي أصبح مركزًا للعديد من المواهب الشابة. منذ البداية، كان الهدف هو إرساء نموذج تطوير غير مسبوق، بمرافق حديثة ومتطورة، ونظام اختيار دقيق للغاية، ومعرفة كروية رفيعة المستوى يقدمها أفضل المدربين، تُطبق في جميع مراحل منظومة كرة القدم، من الأطفال إلى الكبار.

تختار كليرفونتين سنوياً 23 موهبة واعدة من بين حوالي 1600 متقدم، جميعهم من منطقة إيل دو فرانس. ويتم الترحيب بالمختارين، الذين يبلغون عادةً 13 عاماً، في أكاديمية كليرفونتين لكرة القدم، حيث يقيمون ويتدربون لمدة عامين.

يُعدّ مبابي أبرز خريجي أكاديمية كليرفونتين في الآونة الأخيرة. لكن قبله، أنتجت الأكاديمية الوطنية عددًا هائلاً من الأبطال: تورام، ماتويدي، هنري، أنيلكا، غالاس، ساها… وبشكل عام، يُعدّ حضور منطقة إيل دو فرانس الطاغي في عالم كرة القدم مثيرًا للإعجاب للغاية. فنصف اللاعبين الذين استدعاهم المدرب ديشامب لكأس العالم 2026 ينحدرون من هذه المنطقة الحضرية، على الرغم من أن عدد سكانها البالغ 12 مليون نسمة لا يُمثّل سوى خُمس سكان فرنسا. كما أن ما يقرب من 60% من لاعبي كرة القدم المحترفين الفرنسيين وُلدوا فيها.

رغم أنها تُعتبر قلب العاصمة، إلا أن منطقة إيل دو فرانس لا تضاهي بريق شارع الشانزليزيه بشوارعه الفخمة المزدانة بمتاجر المصممين. بل تتألف من أحياء فقيرة ومجتمعات صغيرة تتفاقم فيها فجوة الدخل، إلى جانب المصاعب اليومية، بل وحتى العنف أحيانًا. لا تزال معدلات الجريمة مرتفعة، وفرص العمل شحيحة، والأحياء الفقيرة منتشرة. في هذا الواقع الكئيب، تُقدم حياة الأطفال في الشوارع لحظات نادرة من الفرح يسعى كل طفل للتمسك بها.

بعض ضواحي باريس أكثر ثراءً بفضل بنيتها التحتية المتطورة. نشأ مبابي وويليام ساليبا في بوندي (على بُعد 10 كيلومترات شمال شرق باريس)، بينما تُعدّ ليس أوليس مسقط رأس هنري وإيفرا ومارتيال… لكن الجغرافيا ليست سوى تفصيل صغير. يشعر كل طفل من هذه العوالم أنه يقف إلى جانب أبطال. يرتدون قمصانهم، ويقلدون مهاراتهم في التحكم بالكرة، كما لو كانوا إخوة أكبر سنًا هربوا إلى عالم خيالي.

بالطبع، النهايات السعيدة في كرة القدم أقل بكثير من الأرواح التي لا تزال تعيش في ظلام دامس، كما هو الحال في الأحياء الفقيرة على أطراف باريس التي زرتها. لكن بالنسبة للأطفال الذين يلعبون كرة القدم بكل جوارحهم، يمثل الفريق الفرنسي متعدد الأعراق مصدرًا دائمًا للراحة والأمل، إذ يرون مستقبلهم في مجد الملعب.

المصدر: