تاريخ كرة القدم الإسبانية حافلٌ بخيبات الأمل. أمةٌ أنجبت بعضًا من أعظم الأندية في العالم، وتزخر بمواهب استثنائية، إلا أنها ظلت تخفق في تحقيق المجد. باستثناء التتويج ببطولة أمم أوروبا عام 1964، عانى المنتخب الإسباني “لا روخا” من فترة عصيبة امتدت 42 عامًا دون أن يتجاوز ربع نهائي أي بطولة كبرى.
لكن على مدى السنوات الثماني عشرة الماضية، طرأ تحول جذري في التفكير. وبوصولهم إلى نهائي كأس العالم 2026 على ملعب ميتلايف، تقف إسبانيا أمام فرصة الفوز بلقبها الخامس الكبير في أقل من عقدين. وعلى عكس الضجة والإثارة المعتادة، اتسم نهجهم في المباراة النهائية بالهدوء والتخطيط الدقيق: سيطرة تامة ونظام دفاعي متقن.
الفلسفة البراغماتية واختناق الفضاء.
إسبانيا في كأس العالم 2026 تُشكّل نقيضاً تاماً للأرجنتين. فبينما يتألق منتخب الأرجنتين دائماً بحماساته الجارفة وعوداته المذهلة، يُولي فريق لويس دي لا فوينتي أهمية قصوى للانضباط الحديدي. فهم لا يكتفون بالسيطرة على الكرة للهجوم، بل يستخدمونها أيضاً كأداة دفاعية فعّالة.
سواءً أكانت أهدافاً مبكرة ضد فرنسا والسعودية، أو أهدافاً متأخرة من ميكيل ميرينو ضد بلجيكا والبرتغال، فقد منحت إسبانيا دائماً شعوراً بالأمان المطلق. لم تسمح أبداً لمنافسيها بفرصة تغيير مجرى المباراة.
يكمن الاختلاف الأكبر في كيفية دمجهم لأسلوبين دفاعيين: الضغط العالي المكثف وخط دفاعي متين ومنظم علميًا. وتؤكد الإحصائيات هذا التفوق: تتصدر إسبانيا الفرق الـ 48 في أقل عدد من التسديدات التي تستقبلها في كل استحواذ، كما أنها تتميز بأقل معدل للأهداف المتوقعة (xG) التي تستقبلها في البطولة.
بصمة برشلونة ونظام تشغيل سلس.
قد يعجبك أيضاً
تستند قوة هذا المنتخب الوطني إلى قاعدة متينة من الأندية الكبرى، وعلى رأسها برشلونة بثمانية لاعبين. وقد أدخلت أسماء مثل لامين يامال، وداني أولمو، والمدافع الشاب باو كوبارسي، جوهر فلسفة كرة القدم الحديثة إلى منظومة دي لا فوينتي.
في مباراة نصف النهائي ضد فرنسا، أحبط المنتخب الإسباني جميع محاولات كيليان مبابي الهجومية المرتدة بـ71 تدخلًا دفاعيًا. وعلى الرغم من أن باو كوبارسي لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره، إلا أنه نجح في اعتراض 10 كرات. وقد أظهرت قدرتهم على تحييد بعض أسرع المهاجمين في العالم دفاعًا لم يكن قويًا بدنيًا فحسب، بل كان أيضًا ذكيًا للغاية في قراءة مجريات المباراة.
رودري: الإيقاع والدرع المثاليان.
يُعد رودري قلب هذا الفريق. فبعد تعافيه من إصابة خطيرة في الركبة عام 2024، عاد لاعب خط وسط مانشستر سيتي إلى قمة مستواه. فهو ليس فقط لاعبًا يُحدد إيقاع اللعب بفضل 794 لمسة و655 تمريرة ناجحة – وهي أرقام تتصدر الدوري – بل هو أيضًا ركيزة أساسية للفريق.

بفضل 22 تدخلًا ناجحًا و34 استعادة للكرة، كان رودري حجر الزاوية الذي مكّن زملاءه في الهجوم من خلق فرص بثقة. لم يكن لويس دي لا فوينتي يبالغ حين وصفه بأنه “نقطة ارتكاز مثالية”، اللاعب الذي أضفى توازنًا تامًا على أداء الفريق الهجومي.
إرث الأب المخلص، لويس دي لا فوينتي
يحمل نجاح إسبانيا أيضاً بصمة شخصية قوية للمخطط الاستراتيجي البالغ من العمر 65 عاماً. فبعد أن أمضى 13 عاماً في العمل مع فرق الشباب التابعة للاتحاد، يعرف دي لا فوينتي كل لاعب كما لو كان أحد أبنائه. لقد حوّل فريقاً مؤلفاً من أفراد لم يكونوا يقدمون أداءً جيداً في أنديتهم، مثل فابيان رويز وإيمريك لابورت، إلى لاعبين لا غنى عنهم.
إن الحفاظ على وحدة الفريق التامة طوال فترة المعسكر التدريبي التي استمرت 47 يومًا دون أي خلافات داخلية يُعد إنجازًا عظيمًا. لا تقتصر فلسفته على الخطة التكتيكية فحسب، بل تشمل أيضًا غرس الفرح والثقة في نفوس كل لاعب عند دخوله أرض الملعب.
قبل المباراة النهائية التاريخية ضد الأرجنتين في نيوجيرسي، كان على إسبانيا، رغم ترشيحها للفوز، توخي الحذر. لم يكن أسلوب لعبها هجوميًا من حيث تسجيل الأهداف، وكانت الأخطاء البسيطة من حارس المرمى مصدر قلق. مع ذلك، وبفضل نظام لعب قلل من المتغيرات غير المتوقعة، امتلكت “لا روخا” الوصفة الأكثر استدامة للوصول إلى قمة المجد في كأس العالم.
المصدر:


