تتيح تقنية الحمض النووي فرصًا أكبر لتحديد رفات الجنود القتلى.

تتيح تقنية الحمض النووي فرصًا أكبر لتحديد رفات الجنود القتلى.
تحليل رفات الجنود القتلى في مركز فحص الحمض النووي (معهد علم الأحياء، أكاديمية العلوم والتكنولوجيا الفيتنامية). الصورة: أكاديمية العلوم والتكنولوجيا الفيتنامية
تحليل رفات الجنود القتلى في مركز فحص الحمض النووي (معهد علم الأحياء، أكاديمية العلوم والتكنولوجيا الفيتنامية). الصورة: أكاديمية العلوم والتكنولوجيا الفيتنامية

عندما لا تعود التكنولوجيا القديمة قوية بما يكفي “لقراءة” الحمض النووي.

حتى الآن، لم يتم العثور على رفات ما يقارب 175 ألف شهيد في جميع أنحاء البلاد، بينما تم جمع حوالي 300 ألف رفات أخرى، لكن هوياتها لا تزال مجهولة. ومع اقتراب الذكرى الثمانين ليوم الشهداء والمصابين في الحرب (27 يوليو 1947 – 27 يوليو 2027)، أطلقت اللجنة التوجيهية الوطنية للبحث عن رفات الشهداء وجمعها والتعرف عليها (اللجنة التوجيهية رقم 515) حملةً مدتها 500 يوم، حيث تم تحديد اختبار الحمض النووي كأحد الحلول الرئيسية لتسريع عملية التعرف على الشهداء.

ولإنجاز هذه المهمة، كُلّفت أكاديمية العلوم والتكنولوجيا الفيتنامية بالبحث والتطوير في مجال تقنيات تحديد الحمض النووي، والمشاركة المباشرة في تحديد هوية رفات الجنود الشهداء من خلال مركز تحديد الحمض النووي التابع لمعهد الأحياء. ووفقًا للبروفيسور تشو هوانغ ها، نائب رئيس أكاديمية العلوم والتكنولوجيا الفيتنامية، فإن هذه المهمة ليست مجرد عمل علمي، بل هي أيضًا مسؤولية خاصة تقع على عاتق المجتمع البحثي للمساهمة في تنفيذ سياسة “الشكر والعطاء” التي يتبناها الحزب والدولة.

مع ذلك، وعلى عكس عينات الحمض النووي المستخدمة في التحقيقات المدنية أو الجنائية، فإن الحمض النووي الموجود في رفات الجنود القتلى يبقى لعقود تحت الأرض، معرضًا في الوقت نفسه لعوامل الحرارة والرطوبة والكائنات الدقيقة وظروف التربة. وبمرور الوقت، يتحلل الحمض النووي إلى أجزاء صغيرة جدًا، ولا يتبقى أحيانًا سوى كمية ضئيلة من المادة الوراثية مختلطة بالعديد من الشوائب. ولهذا السبب يصبح التعرف على هوية الضحايا في كثير من الحالات “مستحيلاً” باستخدام الطرق التقليدية.

giam-dinh.jpg
يتم حفظ أكثر من 10000 عينة من رفات الجنود القتلى في مركز فحص الحمض النووي. الصورة: VAST

لسنوات عديدة، كانت الطريقة الأساسية المستخدمة في فيتنام هي تحليل الحمض النووي للميتوكوندريا. وقد ساهمت هذه التقنية في تحديد هوية العديد من الجنود القتلى، لا سيما في ظل محدودية الموارد التقنية. ومع ذلك، مع ازدياد عدد الرفات المتحللة بشدة، تتضح أكثر فأكثر محدودية هذه الطريقة.

بحسب البروفيسور تشو هوانغ ها، يُورَث الحمض النووي للميتوكوندريا من الأم فقط، ويتميز بدرجة منخفضة من التعدد الشكلي، مما يحد من قدرته على التمييز بين الأفراد. في الواقع، أظهرت المقارنات مع قاعدة بيانات الحمض النووي للأقارب التي تديرها إدارة النظام الاجتماعي (C06) التابعة لوزارة الأمن العام، حالاتٍ تطابقت فيها بيانات الحمض النووي لرفاتٍ واحدة مع بيانات الحمض النووي لعائلاتٍ متعددة. وهذا يعني أن الاعتماد على الحمض النووي للميتوكوندريا وحده، في كثير من الحالات، لا يُعد أساسًا علميًا كافيًا لتحديد الهوية بدقة.

تتجلى هذه القيود بوضوح في ممارسة فحص الحمض النووي. فبين عامي 2019 و2021، استقبل مركز فحص الحمض النووي 4276 عينة من رفات الجنود القتلى وقام بتحليلها. إلا أن 1205 عينات فقط قدمت بيانات صالحة للمقارنة، مما أدى في النهاية إلى تحديد هوية 9 جنود فقط. لا تعكس هذه النتيجة قدرات الفريق العلمي، بل تُظهر قصور التقنية في مواجهة التحلل الشديد لعينات الحمض النووي.

هذا الواقع بالذات يستلزم إيجاد طريقة جديدة. ووفقًا للبروفيسور تشو هوانغ ها، من خلال مشروع المساعدة الإنمائية الرسمية الممول من حكومة الولايات المتحدة بدعم فني من اللجنة الدولية المعنية بالمفقودين، تمكن العلماء في أكاديمية العلوم والتكنولوجيا الفيتنامية من الوصول إلى تقنية تسلسل الجينات من الجيل التالي، والبحث فيها، وتحسينها، وإتقانها تدريجيًا، وذلك بالاقتران مع تحليل علامات تعدد أشكال النوكليوتيدات المفردة (NGS-SNPs).

قد يعجبك أيضاً

إذا أمكن تشبيه الحمض النووي للميتوكوندريا بتحديد هوية شخص ما من خلال سمة مشتركة بين جميع أفراد السلالة الأمومية، فإن تقنية التسلسل الجيني عالي الإنتاجية (NGS-SNP) تتيح قراءة متزامنة لأكثر من 5400 علامة وراثية على الحمض النووي النووي. وبفضل ذلك، تستطيع هذه التقنية تحليل القرابة على طول خطي الأب والأم، مع استخلاص المعلومات من أجزاء قصيرة جدًا من الحمض النووي، لا تتجاوز 50-70 زوجًا قاعديًا – وهو نوع من العينات شائع جدًا في رفات الجنود الذين سقطوا في المعركة بعد عقود طويلة.

بحسب الدكتور تران ترونغ ثانه، مدير مركز فحص الحمض النووي، فإن فعالية العملية الجديدة تتضح من الخطوة الأولى. ففي السابق، لم تتجاوز نسبة نجاح استخلاص الحمض النووي من الرفات العظمية 22%، ولكن مع تقنية NGS-SNP، ارتفعت هذه النسبة إلى أكثر من 80%. وهذا يعني أن العديد من العينات التي كانت تُعتبر سابقًا غير صالحة لتحديد الهوية، باتت الآن قابلة لإعادة الفحص باستخدام هذه التقنيات الحديثة.

لا يقتصر هذا التغيير على كونه تطورًا تقنيًا فحسب، بل الأهم من ذلك أنه يفتح المجال أمام إمكانية حلّ قضايا عالقة منذ زمن طويل، وهو أمر عجزت عنه الطرق السابقة. من هنا، تبدأ تقنية فحص الحمض النووي في فيتنام مرحلة جديدة، لا تقتصر على تحسين معدل نجاح التحليل فحسب، بل تمتد لتشمل إرساء الأساس لإعادة أسماء العديد من الشهداء الذين ظُنّ أنهم ظلوا إلى الأبد في قبور مجهولة.

من المختبر إلى لم الشمل

لقد ثبتت فعالية تقنية NGS-SNP من خلال مشروع تجريبي في مقبرة شهداء ترا لينه (كاو بانغ). يُعد هذا الموقع أحد المواقع التي تضم العديد من الرفات التي جُمعت منذ زمن بعيد، ومعظمها في حالة تدهور شديد في الحمض النووي، مما جعل عملية التعرف على هوية الرفات صعبة للغاية في السابق.

gd.jpg
تحليل رفات الجنود القتلى في مركز فحص الحمض النووي (معهد علم الأحياء، أكاديمية العلوم والتكنولوجيا الفيتنامية). الصورة: أكاديمية العلوم والتكنولوجيا الفيتنامية

بحسب الأستاذ المشارك الدكتور في كويت تيان، مدير معهد علم الأحياء، فقد حصل فريق البحث على بيانات SNP مرضية في 54 عينة من أصل 58 عينة من الهياكل العظمية المؤهلة، أي ما يعادل 93% تقريبًا. تُظهر هذه النتيجة إمكانية استخلاص المعلومات الوراثية من الهياكل العظمية، التي كان يُعتقد سابقًا أنها صعبة المعالجة للغاية باستخدام الطرق التقليدية.

والأهم من ذلك، أنه استنادًا إلى البيانات التي تم الحصول عليها، قارن العلماء عينات الحمض النووي مع عينات أقارب 14 عائلة من الجنود الشهداء، وتمكنوا من تحديد هوية الرفات في المرحلة الأولى من التنفيذ. ووفقًا للأستاذ المشارك الدكتور في كويت تيان، فإن الحالات التي لم يُمكن فيها تحديد الهوية لم تكن في الغالب بسبب قيود تقنية، بل بسبب عدم كفاية عينات الحمض النووي من الأقارب لإجراء المقارنة. وهذا يدل على أنه مع تجاوز “العائق” التقني تدريجيًا، فإن المهمة العاجلة التالية هي بناء قاعدة بيانات أكثر شمولًا وتزامنًا للحمض النووي لأقارب الجنود الشهداء.

يمثل هذا أيضًا تغييرًا ملحوظًا في العملية الحالية لتحديد هوية رفات الجنود القتلى. ففي السابق، كان التحدي الأكبر هو استخلاص الحمض النووي من الرفات المتحللة؛ أما الآن، ومع التطور الكبير في تقنيات الحصول على البيانات الجينية، فإن العامل الحاسم في كثير من الحالات يكمن في مصدر البيانات المطابق.

استنادًا إلى نتائج مشروع ترا لينه، أوصت أكاديمية العلوم والتكنولوجيا الفيتنامية اللجنة التوجيهية الوطنية رقم 515 بتطبيق عملية تحديد الهوية القائمة على تقنية التسلسل الجيني من الجيل التالي (NGS-SNP) رسميًا. ويجري حاليًا تطبيق هذه التقنية في مقبرة شهداء جيونغ رينغ (مقاطعة آن جيانغ)، حيث لا تزال 964 قبرًا مجهولة الهوية. ويهدف توسيع نطاق تطبيق هذه التقنية ليس فقط إلى التحقق من استقرار العملية في ظل ظروف مختلفة، بل أيضًا إلى توفير أساس علمي لتكرارها على مستوى البلاد.

بحسب الدكتور تران ترونغ ثانه، يجب أن تمر كل عينة من الرفات العظمية بسلسلة من المراحل المترابطة، بدءًا من معالجة العينة، واستخلاص الحمض النووي، وبناء مكتبة التسلسل، وتحليل البيانات، وصولًا إلى مطابقتها مع الحمض النووي للأقارب. تخضع كل خطوة لرقابة صارمة لأن أي اختلاف، مهما كان بسيطًا، قد يؤثر على النتيجة النهائية.

لم تكتفِ أكاديمية العلوم والتكنولوجيا الفيتنامية بإتقان التكنولوجيا فحسب، بل تسعى إلى بناء قدرات واسعة النطاق لتحديد الهوية باستخدام الحمض النووي. ووفقًا للبروفيسور تشو هوانغ ها، فقد تعاونت الأكاديمية خلال العامين الماضيين مع خبراء من اللجنة الدولية لشؤون المفقودين (ICMP) للبحث في عمليات تكنولوجية جديدة واعتمادها وتحسينها، مما أرسى الأساس لنقلها إلى الوحدات المحلية. وتُعد هذه خطوة تحضيرية هامة نحو إنشاء نظام حديث لتحديد الهوية باستخدام الحمض النووي، يلبي متطلبات حملة الخمسمائة يوم، فضلًا عن المهمة طويلة الأمد المتمثلة في تحديد رفات الجنود الشهداء.

giamdinhadnadn.jpg
تحليل رفات الجنود القتلى في مركز فحص الحمض النووي (معهد علم الأحياء، أكاديمية العلوم والتكنولوجيا الفيتنامية). الصورة: أكاديمية العلوم والتكنولوجيا الفيتنامية

مع ذلك، لا يزال هناك الكثير مما يجب القيام به. فبحسب البروفيسور تشو هوانغ ها، يوجد حاليًا ما بين 200,000 و300,000 عينة رفات على مستوى البلاد بحاجة إلى تحديد هويتها، بينما لا تتجاوز القدرة الحالية معالجة ما بين 1,000 و2,000 عينة سنويًا. ولتقليص مدة تحديد الهوية، من الضروري الاستثمار في معدات متزامنة، وتوسيع مرافق تحديد الهوية، ونقل التكنولوجيا، وتدريب الكوادر الفنية، وزيادة القدرة على معالجة العينات إلى حوالي 10,000 عينة سنويًا لكل مرفق. إلى جانب ذلك، من الضروري إنشاء بنك جيني لأقارب الجنود الشهداء، وتوحيد قاعدة البيانات، وتعزيز الروابط مع سجلات إعادة الرفات إلى الوطن لتحسين فعالية المطابقة.

تُجري أكاديمية العلوم والتكنولوجيا الفيتنامية أبحاثًا في مجال آخر، وهو تطبيق تقنية المصفوفات الدقيقة في تحليل العينات البيولوجية من الأقارب، ودمج بيانات علامات تعدد أشكال النوكليوتيدات المفردة (SNP) في بنك جيني لتحديد رفات الجنود الشهداء. وفي الوقت نفسه، يتم توفير التدريب ونقل التكنولوجيا للوحدات المعنية، مما يُسهم في توسيع شبكة اختبار الحمض النووي على مستوى البلاد تدريجيًا.

المصدر: