قبل انطلاق حملة المنتخب الإسباني في كأس العالم 2026، اندلع جدل حاد حول مركز حراسة المرمى. كان ديفيد رايا قد قدم موسمًا رائعًا مع أرسنال، بينما كان خوان غارسيا يُعتبر الموهبة الأبرز في الدوري الإسباني. ومع ذلك، وضع المدرب لويس دي لا فوينتي ثقته الكاملة في أوناي سيمون، الذي اعتبره ركيزة أساسية لا غنى عنها في المنتخب الإسباني.
سجل دفاعي غير مسبوق.
أثمر قرار دي لا فوينتي عن أداءٍ سجّل اسمه في تاريخ كرة القدم العالمية. فقد أنهى أوناي سيمون البطولة بجائزة القفاز الذهبي وكأس العالم المرموقة. لم تكن إحصائياته في كأس العالم 2026 مثيرة للإعجاب فحسب، بل أعادت تعريف مفهوم القدرات الدفاعية لأي فريق.
حقق سيمون رقماً قياسياً جديداً في كأس العالم لكرة القدم للرجال بسبع مباريات بشباك نظيفة. وبلغت نسبة تصدياته 91.7%، وهي الأعلى في البطولة. والأكثر إثارة للإعجاب، أن حارس مرمى أتلتيك بلباو حافظ على سلسلة من 650 دقيقة متتالية دون أن تهتز شباكه قبل أن يخسر أمام بلجيكا في ربع النهائي.
خلال مبارياتهم الثماني في طريقهم نحو لقب كأس العالم، لم تستقبل شباك إسبانيا سوى هدف واحد. وهذا أقل عدد من الأهداف يسجله أي بطل في تاريخ كأس العالم، ما يُعدّ دليلاً قاطعاً على الصلابة الدفاعية التي أضفاها سيمون على الفريق.
فن “حارس المرمى” في العصر الحديث
قد يعجبك أيضاً
إذا اقتصر نظرك على التصديات فقط، ستغفل القيمة الجوهرية التي يقدمها سيمون لأداء المنتخب الإسباني. فهو لا يكتفي بالتحرك على خط المرمى، بل يمنع أيضاً تحول المواقف الخطيرة إلى فرص للتسجيل. إن قدرته على التوقع بدلاً من مجرد رد الفعل هي أبرز ما يميز سيمون في هذه البطولة.
تحت ضغطٍ شديد، حافظ سيمون على هدوئه الملحوظ ليبني الهجمات من نصف ملعبه. كان يعرف كيف يتحكم في إيقاع اللعب، فيستدرج الخصوم للضغط ليخلق مساحة لخط هجومه، أو يمرر كرات طويلة تخترق دفاعات الخصم. تقنيته الفردية المتقنة جعلته حلقة وصل أساسية في تداول الكرة، وليس مجرد حارس مرمى.
إتقان المساحة وإعادة ابتكار صورة ظلية مانويل نوير.
من أبرز إحصائيات سيمون قدرته على السيطرة على المساحة خلف خط الدفاع المتقدم. فمع 22 اعتراضًا للكرة خارج منطقة الجزاء، يتصدر قائمة حراس المرمى “المتقدمين” في الدوري. هذه المبادرة تُمكّن قلبي دفاع إسبانيا من التقدم بثقة وممارسة الضغط دون خوف من الكرات الطويلة للخصم.

في مباراة نصف النهائي ضد فرنسا، نجح سيمون في تحييد سرعة كيليان مبابي تمامًا من خلال التقدم للأمام لتضييق زاوية التسديد وتوفير التغطية في الوقت المناسب. وكانت أبرز لحظاته في المباراة النهائية ضد الأرجنتين، حيث قام، في الدقيقة الثامنة، بانطلاقة جريئة من منطقة الجزاء، على بُعد حوالي 40 مترًا، لإبعاد الكرة عن قدمي مهاجم الخصم. هذا القرار الجريء، لكن الدقيق، قضى على آمال منتخب أمريكا الجنوبية مبكرًا.
يُذكّر أداء سيمون في كأس العالم 2026 بأداء مانويل نوير في ذروة تألقه في كأس العالم 2014. إنه مزيج مثالي بين مهارات حراسة المرمى التقليدية والتفكير الدفاعي الحديث، مما يُغيّر تمامًا طريقة عمل دفاع أي فريق كبير.
اتصال خاص مع لويس دي لا فوينتي
يرتبط نجاح سيمون ارتباطًا وثيقًا بإيمانه الراسخ بمدربه لويس دي لا فوينتي. فقد رافقه الاثنان في جميع مراحل مسيرتهما الكروية، بدءًا من الفوز ببطولتي أوروبا تحت 19 و21 عامًا، وصولًا إلى دوري الأمم الأوروبية وكأس الأمم الأوروبية 2024. وقد صرّح دي لا فوينتي ذات مرة بأن علاقتهما أقرب إلى علاقة العائلة منها إلى علاقة المعلم والطالب.
إن فهمه العميق لفلسفة اللعبة وقدرته على تحمل الضغط في البطولات القصيرة جعلا من سيمون الخيار الأول بلا منازع. بعد الفوز 1-0 على الأرجنتين في المباراة النهائية، لم يكتفِ أوناي سيمون برفع الكأس الذهبية فحسب، بل حفر اسمه رسميًا في سجل أعظم حراس المرمى في تاريخ كرة القدم الإسبانية، إلى جانب أساطير مثل إيكر كاسياس.
المصدر:
