سيعيد المخضرمون كتابة الحد الأقصى للسن في كأس العالم 2026.

سيعيد المخضرمون كتابة الحد الأقصى للسن في كأس العالم 2026.
يواصل ميسي إثبات أنه أحد أفضل اللاعبين في العالم ، حتى في سن التاسعة والثلاثين. الصورة: FIFA.

ميسي، رونالدو ، ومودريتش يكسرون العديد من الحدود.

يواصل ميسي إثبات أنه أحد أفضل اللاعبين في العالم ، حتى في سن التاسعة والثلاثين. الصورة: FIFA.

في بطولة أقيمت في ظل بعض أقسى الظروف في التاريخ، حيث قطع اللاعبون آلاف الكيلومترات عبر ثلاث دول مضيفة (الولايات المتحدة الأمريكية، المكسيك، كندا) وسط حرارة الصيف الشديدة في أمريكا الشمالية، اعتقد الكثيرون أن كأس العالم 2026 ستكون منصة للشباب. إلا أن الواقع أثبت عكس ذلك تمامًا. فقد برزت خبرة اللاعبين المخضرمين وهدوؤهم واحترافيتهم كأبرز سمات البطولة.

تشير الإحصائيات إلى أن حوالي 12 لاعباً يبلغون من العمر 39 عاماً أو أكثر يشاركون في هذه البطولة. ومن بينهم، لاعبون يقتربون من سن الأربعين أو يتجاوزونها، مثل ليونيل ميسي، وكريستيانو رونالدو (البرتغال)، ولوكا مودريتش (كرواتيا)، الذين لا يكتفون بتمديد مسيرتهم الكروية، بل يعيدون كتابة حدود السن في كرة القدم الاحترافية.

إذا كان علينا اختيار الشخصية الأكثر شهرة لكأس العالم 2026، فسيكون ليونيل ميسي بحق على رأس القائمة.

في سن التاسعة والثلاثين، قاد الأرجنتين إلى نهائي كأس العالم للمرة الثانية على التوالي. لم يعد ميسي يتمتع بتلك السرعة الخاطفة التي كان يتميز بها في أوج عطائه، بل سيطر على مجريات المباراة بذكاء تكتيكي، وفهم عميق للوضع، ولحظات من الإبداع. أثبت أن اللاعب لا يحتاج بالضرورة إلى بذل أقصى جهد ليُحدث أكبر تأثير. لم تتمكن الأرجنتين من الفوز بكأس العالم 2026 بعد هزيمتها 0-1 أمام إسبانيا، لكن بالنسبة لميسي شخصيًا، لم يُقلل ذلك من هالة “عبقري بين عباقرة كرة القدم” التي رسخها في الأذهان.

ساهمت بطولة كأس العالم 2026 في تحقيق ميسي لسلسلة من الإنجازات التاريخية في مسيرته الكروية. فقد أصبح أول لاعب يشارك في نهائيين لكأس العالم بعد بلوغه الخامسة والثلاثين من عمره، وأول لاعب يبدأ أساسياً ويقود منتخب بلاده في ثلاثة نهائيات. ولا ننسى بالطبع أهدافه الثمانية وإنجازاته الاحترافية العديدة في كأس العالم 2026 وهو في التاسعة والثلاثين من عمره، والتي ساعدته على بلوغ مراحل نادرة في تاريخ كرة القدم.

messi-3.jpg
ميسي يلعب في نهائي إسبانيا والأرجنتين. الصورة: الفيفا.

حظي كريستيانو رونالدو بإعجاب العالم. ففي سن الـ41، أصبح المهاجم البرتغالي أحد أكبر اللاعبين سناً الذين شاركوا وسجلوا في الأدوار الإقصائية لكأس العالم. وأظهرت أهدافه الثلاثة في البطولة أنه لا يزال قادراً على تقديم أداء احترافي مميز، واستمر في كونه قائداً روحياً للمنتخب البرتغالي. ورغم خروج البرتغال من دور الـ16، إلا أن إسهامات رونالدو ظلت محل تقدير، على الرغم من أن استخدام المدرب له لا يزال موضع جدل.

في غضون ذلك، لا يزال لوكا مودريتش، البالغ من العمر 40 عامًا، العقل المدبر لخط وسط كرواتيا. ورغم أنه لم يعد يتمتع بنفس الحماس الذي كان عليه في شبابه، إلا أن قدرته على التحكم في مجريات المباراة، وخبرته، وهدوئه، لا تزال تُساعد كرواتيا على الحفاظ على هويتها في اللحظات الصعبة. كما أن خروج كرواتيا من دور الـ32، حيث خسرت أمام البرتغال، خيّب آمال الكثيرين تجاه هذا اللاعب الموهوب.

إلى جانب هؤلاء الرموز الثلاثة، هناك أيضًا مانويل نوير (ألمانيا، 40 عامًا)، وإدين دجيكو (البوسنة والهرسك، 40 عامًا)، ونيكولاس أوتاميندي (الأرجنتين، حوالي 39 عامًا)… إنهم يشكلون صورة نادرة للاعبين الذين يقتربون من سن الأربعين ولا يزالون قادرين على المنافسة على أكبر مسرح في العالم.

قد يعجبك أيضاً

القيمة أكبر من الأرقام.

إن قدرة هؤلاء النجوم على الصمود في بيئة تنافسية عالية المستوى مثل كأس العالم ليست من قبيل الصدفة.

على مدى العقدين الماضيين، أحدث التطور السريع لعلوم الرياضة تحولاً جذرياً في كيفية استعداد الرياضيين لمسيرتهم الرياضية. وقد ساهمت التغذية الشخصية، وبرامج الاستشفاء المكثفة، وأنظمة تحليل بيانات التمارين، والتحكم في أحمال التدريب بشكل كبير في تقليل خطر الإصابة.

ronaldo-tao-dau-an(1).jpg
لا يزال رونالدو يسجل الأهداف في كأس العالم رغم بلوغه 41 عاماً. الصورة: الفيفا.

كشف كريستيانو رونالدو ذات مرة أنه يحرص على الاستحمام بالماء المثلج في منتصف الليل بعد مباريات دوري أبطال أوروبا، كما يستعين بمدرب شخصي لتنظيم نومه. وفي العديد من الأندية الأوروبية الكبرى، يمتلك العديد من اللاعبين طهاة خاصين لضمان حصولهم على التغذية المناسبة لكل مرحلة من مراحل المنافسة.

في الوقت نفسه، اختار ميسي ورونالدو بيئات لعب أكثر ملاءمة في المراحل الأخيرة من مسيرتهما الكروية. انتقل ميسي إلى الدوري الأمريكي لكرة القدم (MLS)، بينما توجه رونالدو إلى السعودية للعب في الدوري السعودي للمحترفين. ساعدهما هذا القرار على تخفيف الضغط الناتج عن جداول المباريات المكثفة في البطولات الأوروبية، وبالتالي الحفاظ على أفضل لياقة بدنية لهما للمشاركة في البطولات الكبرى مع منتخباتهما الوطنية.

بالإضافة إلى ذلك، ساهمت التغييرات التي طرأت على قوانين اللعبة في إطالة مسيرة اللاعبين. كما أن زيادة الفيفا لعدد التبديلات من 3 إلى 5، وتوسيع قائمة لاعبي كأس العالم من 23 إلى 26 لاعباً، مكّنت المدربين من الاستفادة بشكل أكثر فعالية من اللاعبين ذوي الخبرة دون إجبارهم على اللعب طوال التسعين دقيقة.

تجدر الإشارة إلى أن مساهمات هؤلاء “المخضرمين” لا تقتصر على الأهداف أو التمريرات الحاسمة.

يعتقد يورغن كلينسمان، أسطورة كرة القدم الألمانية السابق وعضو المجموعة الفنية للدراسات التابعة للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، أن تألق ميسي ورونالدو ومودريتش قد ألهم الأجيال اللاحقة بشكل كبير، فهم يمثلون قدوة ممتازة للشباب.

ووفقاً له، إذا حافظ اللاعبون الشباب على نمط حياة صحي وتفانٍ في مهنتهم، فبإمكانهم بالتأكيد تمديد مسيرتهم المهنية لأكثر من 20 عاماً.

بحسب يورغن كلينسمان، فإن النجوم الشباب مثل لامين يامال (إسبانيا) وجود بيلينجهام (إنجلترا) وفلوريان فيرتز (ألمانيا) لا يتعلمون التقنيات من اللاعبين المخضرمين فحسب، بل يتعلمون أيضًا كيفية الحفاظ على رغبتهم في الفوز عامًا بعد عام.

نموذج يحتذى به لكرة القدم الفيتنامية.

وبالنظر إلى كأس العالم 2026، قد يحتاج قطاع كرة القدم الفيتنامي أيضاً إلى بعض التغييرات في تفكيره بشأن العمر الوظيفي.

يبدأ اعتبار العديد من اللاعبين المحليين “متقدمين في السن” بمجرد بلوغهم سن 31-32 عامًا. يفقد بعضهم الحافز للمساهمة، ويتقبلون وضعهم الحالي، أو يختارون بيئة لعب أقل إرهاقًا مع قدرتهم على الاستمرار في تقديم أفضل ما لديهم.

في غضون ذلك، في عالم كرة القدم، يُعدّ سن الثلاثين بدايةً لمرحلة النضج الأكبر في مسيرة اللاعب. يُظهر ميسي ورونالدو ومودريتش أن العمر مجرد رقم إذا حافظ اللاعب على طموحه وانضباطه واهتمامه بنفسه.

لذا، فإن كأس العالم 2026 ليس مجرد بطولة للاحتفال ببطل جديد، بل هو أيضاً تأكيد على أن الاحتراف قادر على تجاوز حدود الإمكانيات البشرية. وقد أثبت ميسي ورونالدو ومودريتش ذلك بأدائهم المذهل. وهذه هي الرسالة الأهم التي يوجهها هؤلاء المخضرمون لكرة القدم العالمية، ولأجيال اللاعبين الفيتناميين الذين يطمحون لبلوغ القمة.

المصدر: