دخلت الأرجنتين المباراة النهائية بخطة واضحة للغاية: جرّ إسبانيا إلى معركة بدنية بدلاً من مباراة كرة قدم. تقبّل حامل اللقب الأخطاء، وأبطأ وتيرة اللعب، وعرقل المباراة باستمرار لكسر أسلوب لعب خصمه القائم على الاستحواذ على الكرة.
نجحت الخطة لما يقرب من ساعتين.
لكن إسبانيا لم تتسرع. تمسكوا بفلسفتهم، واستمروا في تمرير الكرة، والضغط، منتظرين اللحظة التي ينفد فيها صبر خصومهم. وجاءت المكافأة في الدقيقة 112، عندما سجل فيران توريس الهدف الوحيد، ليضمن لـ”لا روخا” لقبها الثاني في كأس العالم .
| أغلقت إسبانيا جميع مسارات التمرير أمام ليونيل ميسي ، مما صعّب عليه إيجاد مساحة. الصورة: صحيفة الغارديان |
افتقرت المباراة النهائية إلى الإثارة العاطفية. لقد كانت معركة عقول بين فلسفتين متناقضتين. سعى أحد الفريقين إلى جعل المباراة عنيفة وغير متناسقة؛ بينما تمسك الآخر بأسلوبه الكروي المختار.
اختارت الأرجنتين هذا النهج استباقياً. فقد افتقرت إلى القدرة على منافسة إسبانيا في الاستحواذ على الكرة، مما أجبر الفريق على خوض المباراة عبر الالتحامات البدنية. كما لم يكن الحكم سلافكو فينسيتش صارماً للغاية في المواقف المتنازع عليها، مما سمح لفريق أمريكا الجنوبية بتعطيل حركة الكرة لدى الخصم مراراً وتكراراً.
أدت ظروف أرضية الملعب غير المثالية إلى إعاقة أداء إسبانيا في التمرير. ونتيجة لذلك، كان الشوط الأول بطيئاً، يفتقر إلى السرعة، ولم يشهد سوى فرص قليلة جديرة بالذكر.
إن ما يستحق الثناء في إسبانيا هو أنها لم تفقد هويتها.
لم ينجرّ فريق المدرب لويس دي لا فوينتي إلى معركة ذهاب وإياب. بل سيطروا على الكرة بصبر، وضغطوا بقوة في نصف ملعب الخصم، وحافظوا على هذا المستوى من الحماس طوال المباراة.
قد يعجبك أيضاً
جعل أسلوب الضغط الإسباني من المستحيل تقريبًا على الأرجنتين بناء الهجمات من الخلف. كان إنزو فرنانديز وأليكسيس ماكاليستر تحت رقابة مشددة في خط الوسط، وكانت تمريراتهما الموجهة للهجوم تُقطع باستمرار.
في بداية الشوط الثاني، اضطر ليونيل سكالوني لإشراك لياندرو باريديس لتعزيز خط الوسط. مع ذلك، لم يتغير مجرى المباراة. ركزت الأرجنتين بشكل أكبر على تعطيل هجمات الخصم بدلاً من الضغط على مرماه. تلقى باريديس بطاقة صفراء بعد عرقلته لرودري. وبحلول نهاية الوقت الأصلي، كان إنزو فرنانديز قد حصل على بطاقتين صفراوين، ليُطرد من الملعب. كادت البطاقة الحمراء أن تُنهي آمال الأرجنتين في الدفاع عن لقبها.
![]() |
| لاعبو المنتخب الإسباني يرفعون كأس العالم. الصورة: صحيفة الغارديان |
بالنظر إلى الأسباب الحقيقية، لم يكن طرد اللاعب الأرجنتيني هو السبب الوحيد لهزيمة الأرجنتين. فقد استنفد الفريق الكثير من طاقته في رحلته إلى النهائي. أدت مباراتان متتاليتان امتدتا إلى الوقت الإضافي إلى إضعاف لياقتهم البدنية بشكل ملحوظ. كما اضطر قلبَا الدفاع، ليساندرو مارتينيز وكريستيان روميرو، إلى مغادرة الملعب بسبب الإصابة، مما حرم الفريق من لاعبين قادرين على بناء الهجمات من الخلف. ومع غياب هذين اللاعبين الأساسيين، ازداد اعتماد الأرجنتين على ليونيل ميسي.
أدركت إسبانيا هذا الأمر جيداً. فقد قطعت تقريباً وصول الكرة إلى ميسي. ففي كل مرة يستلم فيها قائد الأرجنتين الكرة، كان اثنان أو ثلاثة من لاعبي إسبانيا يحيطون به فوراً. لم يعد لدى ميسي مساحة للمناورة، ولم يعد قادراً على تمرير التمريرات الحاسمة التي كان يقدمها في نصف النهائي.
على مدار 120 دقيقة، لم تُتح الأرجنتين سوى فرص قليلة وخطيرة. ووفقًا لإحصائيات أوبتا، لم تُسدد أول تسديدة لها إلا في الدقيقة 117، وكانت تسديدة بعيدة المدى من ميسي مرت بجوار المرمى.
تُظهر الإحصائيات بوضوح تفوق المنتخب الأرجنتيني. لم يستحوذ المنتخب الأرجنتيني على الكرة سوى بنسبة 34.9%، ولم يلمسها سوى 6 مرات داخل منطقة جزاء إسبانيا، ولم يسدد سوى كرتين طوال المباراة. في المقابل، سدد المنتخب الإسباني 20 كرة، وضغط باستمرار على خصومه ليُجبرهم على التراجع إلى الدفاع.
لولا إيميليانو مارتينيز، لكانت المباراة قد انتهت قبل ذلك بكثير. فقد أنقذ الحارس الأرجنتيني 12 كرة، وهو الرقم الأعلى في تاريخ نهائيات كأس العالم. وأنقذ العديد من الفرص من لامين يامال وميكيل ميرينو وداني أولمو، محافظًا على آمال فريقه حية حتى الوقت الإضافي. لكن مارتينيز وحده لم يستطع إنقاذ الفريق بأكمله.
أثمر الضغط المتواصل لإسبانيا أخيراً في الدقيقة 112. أرسل بيدرو بورو عرضية من الجناح الأيمن، حولها نيكو ويليامز برأسه ببراعة إلى فيران توريس الذي أسكنها الشباك من مسافة قريبة مسجلاً هدف الفوز.
![]() |
| أحرز فيران توريس هدفاً من مسافة قريبة ليمنح إسبانيا لقب بطولة العالم. الصورة: صحيفة الغارديان |
يُظهر هذا أيضًا براعة المدرب لويس دي لا فوينتي التكتيكية، حيث أثبتت جميع تبديلاته فعاليتها. فقد أضفى بيدري مزيدًا من التحكم بالكرة والإبداع على خط الوسط، بينما منح نيكو ويليامز إسبانيا سرعةً على الجناحين، تاركًا الدفاع الأرجنتيني دون عدد كافٍ من اللاعبين للتركيز على تحييد لامين يامال. وظهر فيران توريس في الوقت المناسب ليُنهي الهجمة التي شكّلها اللاعبون البدلاء.
لم تفز إسبانيا بفضل لحظة تألق من لاعب نجم، بل فازت بفضل نظام مستقر، وصبر، وإيمان راسخ بفلسفتها الكروية.
حوّلت الأرجنتين المباراة النهائية إلى صراع قوة، بينما أعادتها إسبانيا إلى مباراة كرة قدم عادية. كان هذا هو الفارق الأكبر بين الفريقين. وبقي الكأس الذهبي مع الفريق الأكثر استحقاقاً.
المصدر:




