قال رياضيون إن كأس العالم لكرة القدم 2026، التي استضافتها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، واختتمت الأحد الماضي، قدمت مجموعة من الدروس التي يمكن الاستفادة منها في تنظيم البطولات الكبرى مستقبلاً، سواء على مستوى التطور الفني داخل الملعب، أو إدارة الحدث، أو تعظيم العوائد الاقتصادية.
وأوضحوا لـ«الإمارات اليوم» أن البطولة أعادت تعريف نجاح البطولات الكبرى، وشهدت من الناحية الفنية تطوراً واضحاً في الأساليب التكتيكية ومرونة المنتخبات، ومن الناحية التنظيمية، وأشاروا إلى أن زيادة عدد المنتخبات رفع من مستوى الإثارة، وأنه من الناحية الاقتصادية فإن البطولة عززت مكانة كأس العالم كأحد أكبر المشاريع الاقتصادية الرياضية في العالم.
وأشاروا إلى أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) نوّع من مصادر الإيرادات، وعظّم من الاستفادة التجارية من مختلف عناصر الحدث، ليوفر ذلك عوائد مالية كبيرة للدول المستضيفة والاتحاد الدولي نفسه، مؤكدين أن استدامة النجاح المستقبلي للبطولة يجب أن يرتبط بتحقيق توازن بين الجوانب الفنية والتنظيمية والاقتصادية، مع الحفاظ على تجربة الجماهير.
تطور فني وسمات مشتركة
وقال الخبير والمحاضر الرياضي عبدالله حسن، إن النسخة الحالية من كأس العالم كشفت عن عدد من التطورات الفنية البارزة التي أصبحت سمة مشتركة بين المنتخبات الكبرى، وأنها تمثل دروساً مستفادة.
وأوضح أن أبرز الملاحظات تمثل في أن المنتخبات لم تعد تعتمد على تشكيل أساسي ثابت طوال المباراة، وأصبحت تمتلك مرونة تكتيكية عالية، تتيح لها تغيير هيكلها وفقاً لمراحل اللعب المختلفة، سواء أثناء الدفاع أو التحول إلى الهجوم، أو العودة للدفاع، وكذلك عند الاستحواذ.
وأضاف أن التنظيم الدفاعي شهد تطوراً ملحوظاً، من خلال الاعتماد على بناء دفاعي يشبه المثلث يمنح الفريق توازناً أكبر في الخط الخلفي ووسط الملعب، إلى جانب الجاهزية الكبيرة في تنفيذ الضغط العكسي فور فقدان الكرة.
وأشار إلى أن دور حارس المرمى لم يعد يقتصر على حماية المرمى، وأنه أصبح عنصراً أساسياً في بناء اللعب وبدء الهجمات، فيما برزت الكرات العرضية كسلاح هجومي مؤثر اعتمدت عليه العديد من المنتخبات.
ولفت إلى أن الأظهرة الدفاعية أصبحت تؤدي أدواراً متعددة، تمتد من الواجبات الدفاعية إلى صناعة اللعب والمشاركة في بناء الهجمات، كما باتت المنتخبات أكثر قدرة على التحول بين الضغط العالي المستمر والضغط الموجّه تكتيكياً وفق مجريات المباراة.
وأكد عبدالله حسن أن البطولة أظهرت توازناً واضحاً بين السرعة والسيطرة على الكرة، مع قدرة كبيرة على الخروج من ضغط المنافس بلمسة أو لمستين فقط، مشيراً إلى أن الفوارق التكتيكية بين المنتخبات تقلصت بشكل ملحوظ، في حين أسهم قانون التبديلات الخمسة في منح المدربين مرونة أكبر لتطبيق أفكارهم التكتيكية وإحداث تغييرات مؤثرة أثناء المباريات.
نجاح تنظيمي وتحديات مالية
من جهته، قال المحلل الرياضي خالد العوضي إن كأس العالم حققت نجاحاً تنظيمياً من الناحية الإعلامية والتقنية، لكنها لم تقدم، من وجهة نظره، التجربة الجماهيرية المثالية، بعدما غلب عليها الطابع الاستثماري والتجاري أكثر من كونها حدثاً كروياً موجهاً للجماهير.
وأوضح أن استضافة البطولة في ثلاث دول فرضت تحديات تتعلق باختلاف أنظمة الدخول والتنقل، ما صعّب حركة الجماهير بين الدول المستضيفة، فيما أسهم ارتفاع أسعار الطيران والفنادق والمواصلات في جعل حضور البطولة مقتصراً إلى حد كبير على أصحاب الدخل المرتفع.
وأضاف أن زيادة عدد المنتخبات رفعت من مستوى الإثارة، لكنها في المقابل زادت الضغط البدني على اللاعبين، مع إقامة 104 مباريات، وكثرة السفر، وتقارب مواعيد المباريات، وتباين الظروف المناخية، الأمر الذي رفع احتمالات الإصابات، وقلّص فترات الاستشفاء.
وأشار إلى أن البطولة افتقدت جانباً من روحها الجماهيرية التقليدية، مع تراجع الأهازيج والعفوية التي ميزت النسخ السابقة، مقابل حضور أكبر للمظاهر والاستعراض «الفاشينيستات».
وفي المقابل، أكد العوضي أن البطولة تميزت بإقامة المباريات في ملاعب ضخمة، وبنية تحتية متطورة، فضلاً عن التنوع الثقافي الكبير الذي جمع جماهير من مختلف أنحاء العالم، كما حققت عوائد اقتصادية مليارية.
واختتم بالتأكيد على أن تنظيم كأس العالم في أكثر من دولة يمكن أن ينجح إذا كانت الدول متقاربة جغرافياً ومتجانسة في أنظمتها، مع ضرورة فرض ضوابط على أسعار التذاكر والخدمات، ومكافحة السوق السوداء، بما يضمن إتاحة البطولة لجميع الفئات، لأن كرة القدم، في النهاية، «ملك للجميع، وليست حكراً على القادرين مالياً».
مكاسب اقتصادية بتعظيم الإيرادات
وقال أستاذ التمويل والمصارف بجامعة العين، الدكتور مصعب طبش، إن كأس العالم 2026 رسّخت تحول الرياضة العالمية إلى صناعة اقتصادية متكاملة، أصبحت تقاس بحجم القيمة الاقتصادية التي ولدتها للدول المستضيفة والاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والشركاء التجاريين.
وأوضح أن البطولة أثبتت أن مصادر الدخل تتجاوز بيع التذاكر، وأنها أصبحت تعتمد على منظومة متنوعة، تشمل حقوق البث التلفزيوني، والرعاية التجارية، والضيافة، والتسويق الرقمي، وترخيص المنتجات، إلى جانب تعظيم الاستفادة من بيانات الجماهير في تطوير الحملات التسويقية وجذب الاستثمارات.
وقال إن تقريراً لصحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية أشار إلى أن «فيفا» يتوقع أن يحقق إيرادات إجمالية تبلغ 13 مليار دولار خلال الدورة المالية الممتدة بين 2023 إلى 2026، منها 8.9 مليارات دولار مرتبطة بشكل مباشر بنسخة كأس العالم الأخيرة 2026.
وأضاف: «من أبرز التحولات الاقتصادية استثمار كل دقيقة من زمن البطولة، إذ إن استراحة التبريد وفترة ما بين الشوطين تحولت إلى منصات للعروض الترفيهية والرسائل الإعلانية، ما زاد من القيمة التجارية لحقوق البث، ورفع العائدات التي يحصل عليها الرعاة والمنظمون».
وأشار إلى أن الدول المستضيفة حققت مكاسب اقتصادية مباشرة وغير مباشرة، من خلال زيادة الإنفاق السياحي، وارتفاع نسب إشغال الفنادق، ونشاط قطاعات الطيران والنقل والتجزئة، فضلاً عن الترويج العالمي لصورتها، وتعزيز قدرتها على استقطاب الاستثمارات مستقبلاً.
وأوضح: «الاتحاد الدولي واصل في تعظيم إيراداته من حقوق البث والرعاية والتسويق، لترتفع العوائد المالية للبطولة إلى مستويات قياسية، خصوصاً مع تحول البطولة إلى 48 فريقاً و104 مباريات على مدار 39 يوماً، بما يعكس نجاح نموذجها التجاري».
وأكد طبش أن الدرس الأهم يتمثل في أن استدامة البطولات الكبرى يتحقق بإيجاد توازن بين تحقيق الأرباح، وتقديم تجربة جماهيرية مميزة، وضمان استفادة جميع الأطراف، بما يحافظ على القيمة الاقتصادية والإنسانية للحدث الرياضي.
