اختُتمت بطولة كأس العالم 2026 بفوز إسبانيا على الأرجنتين بعد الوقت الإضافي على ملعب ميتلايف (نيوجيرسي، الولايات المتحدة الأمريكية). وشهدت البطولة 104 مباريات أُقيمت في 16 مدينة عبر الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، لتصبح بذلك أكبر بطولة في تاريخ كرة القدم العالمية، وأكبر بطولة من حيث النطاق التجاري والمشاهدة على الإطلاق.
قبل انطلاق البطولة، أشارت دراسة أجراها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بالتعاون مع مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس إلى أن كأس العالم 2026 قد يُدرّ ما يقارب 40.9 مليار دولار أمريكي كقيمة اقتصادية للدول الثلاث المضيفة. كما توقع الفيفا أن تتجاوز إيرادات الدورة المالية 2023-2026 مبلغ 13 مليار دولار أمريكي، أي ما يقارب ضعف إيرادات الدورة السابقة التي امتدت لأربع سنوات، وذلك بفضل توسيع نطاق البطولة وزيادة الإيرادات من حقوق البث التلفزيوني والرعاية ومبيعات التذاكر.
أثبتت بطولة كأس العالم 2026 جاذبيتها من خلال استقطابها ما يقارب 6.5 مليون متفرج إلى الملاعب، أي ما يقارب ضعف عدد الحضور في بطولة كأس العالم 2022 في قطر. وبلغ متوسط نسبة إشغال الملاعب 99.7%، بينما استقبل نظام مهرجان المشجعين التابع للفيفا حوالي 7.7 مليون زائر.
ساهم الحضور الجماهيري القياسي في انتعاش قطاعي السياحة والخدمات. وبدلاً من أن يرتفع الطلب على السفر بشكل ملحوظ منذ المباريات الافتتاحية، ازداد الطلب بشكل حاد فقط عندما دخلت البطولة الأدوار الإقصائية، وعندها قرر العديد من المشجعين السفر إلى الولايات المتحدة بعد معرفة تأهل فريقهم.
بحسب تحليل أجراه معهد أبحاث بنك أوف أمريكا لبيانات المعاملات، ارتفع الإنفاق عبر البطاقات في المدن المضيفة في جميع أنحاء الولايات المتحدة بنحو 5% بين 10 يونيو و5 يوليو مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي. وكانت المطاعم والحانات المستفيد الأكبر، حيث توافد المشجعون لمشاهدة المباريات.
شهد سوق الإقامة نموًا ملحوظًا خلال المراحل النهائية من البطولة. ووفقًا لشركة التحليلات “كوستار”، ارتفع متوسط إيرادات الغرفة الواحدة في مدينة كانساس سيتي بنسبة تقارب 50% على أساس سنوي، بينما شهدت فيلادلفيا زيادة تجاوزت 74% بفضل تزامن كأس العالم مع عطلة عيد الاستقلال الأمريكي وسلسلة فعاليات “أمريكا 250”.
تُظهر بيانات شركة AirDNA أن حجوزات الإقامة قصيرة الأجل في نيوارك وجيرسي سيتي، وهما موقعان يستقبلان المشجعين الذين سيحضرون المباراة النهائية في ملعب ميتلايف، قد زادت بنحو 45% على أساس سنوي، ويعود ذلك جزئيًا إلى القيود المفروضة على تأجير أماكن الإقامة قصيرة الأجل في مدينة نيويورك. في الوقت نفسه، أفادت شركة إدارة السفر نافان أن متوسط سعر غرفة الفندق في نيويورك قد تجاوز 1800 دولار أمريكي لليلة الواحدة حتى قبل انطلاق كأس العالم.
قد يعجبك أيضاً
يتجلى اتجاه حجز الخدمات في اللحظات الأخيرة بوضوح في سوق الطيران أيضاً. فبحسب بيانات شركة RateGain Travel Technologies، ارتفع إجمالي عدد حجوزات الطيران إلى المدن المضيفة لكأس العالم بنسبة تقارب 4% على أساس سنوي، وبنسبة تقارب 75% مباشرة بعد الأسبوع الافتتاحي.
في الأرجنتين وحدها، ارتفعت حجوزات الطيران إلى الولايات المتحدة بنحو 46% منذ انطلاق البطولة. وشهد خط بوينس آيرس-أتلانتا، حيث سيلعب المنتخب الأرجنتيني في دور الـ16 ونصف النهائي، زيادةً في الحجوزات بلغت 108%. ووفقًا لبانو تشوبرا، مؤسس موقع RateGain، يُشير هذا إلى اتجاه جديد في السياحة الرياضية، حيث لا يُقدم العديد من المشجعين على حجز رحلات الطيران والفنادق إلا بعد التأكد من تأهل فريقهم للدور التالي.
يرى بعض الخبراء أن التأثير الاقتصادي لكأس العالم على السياحة يجب النظر إليه بمزيد من الحذر.
يرى مايكل إدواردز، الأستاذ المتخصص في تمويل الرياضة بجامعة ولاية كارولينا الشمالية في الولايات المتحدة الأمريكية، أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) هو المستفيد الأكبر، إذ يمتلك مصادر دخل قيّمة كحقوق البث التلفزيوني والرعاية ومبيعات التذاكر. في المقابل، تضطر حكومات المدن المضيفة إلى إنفاق مئات الملايين من الدولارات على الأمن والنقل والخدمات الطبية وتشغيل البنية التحتية وتنظيم فعاليات للجماهير.
بحسب قوله، تُقدّر تكلفة تنظيم هذا الحدث في المدن الأمريكية بما بين 100 و200 مليون دولار لكل مدينة. وقد اضطرت بعض المدن، مثل سياتل ونيويورك ونيوجيرسي، إلى تقليص حجم مهرجان المشجعين بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل وعدم كفاية الإيرادات المباشرة.
وأشار إدواردز أيضاً إلى أن المدن التي تُعدّ وجهات سياحية شهيرة، مثل نيويورك ولوس أنجلوس وميامي، تستقبل أعداداً كبيرة من الزوار على مدار العام. لذا، فإن امتلاء الفنادق أو ازدحام المطاعم خلال كأس العالم لا يكفي لإثبات أن البطولة تُحقق قيمة اقتصادية حقيقية.
“جزء من الإنفاق هو ببساطة تحول عن النشاط السياحي الحالي”، كما حلل إدواردز.

يتجلى التباين في المصالح بوضوح في المكسيك. فعلى الرغم من أن ملعب أزتيكا استقطب أكثر من 404,000 متفرج خلال خمس مباريات، وهو أعلى رقم بين جميع الملاعب التي استضافت كأس العالم 2026، إلا أن اقتصاد البلاد لم يحصل على الانتعاش المتوقع.
بحسب شركة ديلويت، وفرت بطولة كأس العالم حوالي 100 ألف وظيفة مؤقتة، أي أقل بنحو 10% من التوقعات الأولية. وأظهر مؤشر BBVA للمستهلكين أن الإنفاق على الفنادق انخفض في يونيو بنسبة 10.5%، والإنفاق على المطاعم بنسبة 4.9%، بينما ارتفع الإنفاق على الترفيه بنسبة 16.5%.
خفض بنك بانورتي توقعاته لمساهمة كأس العالم في نمو الناتج المحلي الإجمالي للمكسيك إلى حوالي 0.4-0.5%، وهو أقل من التقديرات السابقة. ويرى المحللون أن عوامل مثل تباطؤ النمو، والتضخم، والمراجعة الجارية لاتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA) سيكون لها تأثير أكبر بكثير من تأثير البطولة نفسها.
بحسب البروفيسور مايكل إدواردز، يمكن أن تكون بطولة كأس العالم “تجربة مشتركة قيّمة”، تجلب الفخر والترابط للمجتمعات، ولكن لا ينبغي اعتبارها تلقائياً استراتيجية فعالة للتنمية الاقتصادية.
المصدر:

