الحمض النووي القديم: آلة زمنية تعيد كتابة التاريخ البشري.

الحمض النووي القديم: آلة زمنية تعيد كتابة التاريخ البشري.
الحمض النووي القديم: آلة زمنية تعيد كتابة التاريخ البشري.

لعدة قرون، اعتمد فهمنا للماضي بشكل أساسي على علم الآثار والقطع الأثرية والنصوص القديمة. إلا أنه في العقدين الماضيين، أحدث تطوير تقنية تسلسل الحمض النووي القديم ثورة في هذا المجال. فباستخدام بقايا الحمض النووي الموجودة في عظام أو أسنان أو شعر أشخاص ماتوا منذ آلاف أو عشرات آلاف السنين، أصبح بإمكان العلماء الآن تحديد القرابة والأصول، وحتى الهجرات واسعة النطاق.

صورة: ناشيونال جيوغرافيك

من أبرز الاكتشافات تأكيدُ أن الإنسان الحديث قد تزاوج مع إنسان نياندرتال في الماضي. كان يُعتقد سابقًا أن هذين النوعين البشريين منفصلان تقريبًا، إلا أن تحليل الحمض النووي يُظهر أن معظم البشر غير الأفارقة اليوم لا يزالون يحملون ما بين 1 و2% من الحمض النووي لإنسان نياندرتال في جينوماتهم. وهذا يُثبت أن المجموعتين التقتا وتزاوجتا منذ عشرات آلاف السنين.

0p2e h dpol106ywhgckc4pj9nm9bn s1uarcihixtls3n0h6dzcwu8xdlrpyr1 hd7ymxxvxffwsigx8woxl7zlenhbos37bsv5bfr6kbmmffmby8fzcjsibolhddpushdetbdyuukdbyjhxa8zhegbyv2jzqvxey3ccb3jltb18yjmdc8y2

صورة: بيغ ثينك

أدى تحليل الحمض النووي القديم أيضًا إلى اكتشاف مجموعة بشرية جديدة تمامًا: شعب دينيسوفان. ففي عام 2010، تمكن العلماء، من خلال عظمة إصبع صغيرة عُثر عليها في كهف دينيسوفا في سيبيريا، من فك شفرة جينوم نوع بشري لم يكن معروفًا من قبل. واليوم، لا تزال آثار الحمض النووي لشعب دينيسوفان موجودة في العديد من المجتمعات في آسيا وأوقيانوسيا، ولا سيما في بابوا وبعض المجموعات العرقية في غرب المحيط الهادئ.

إلى جانب دراسة التطور، ساهم الحمض النووي القديم في حل العديد من الألغاز التاريخية. إذ يستطيع الباحثون تحديد صلة القرابة في المقابر الجماعية، وتتبع أصول المجتمعات القديمة، وإعادة بناء الهجرات في عصور ما قبل التاريخ، ورصد انتشار الأمراض كالطاعون. وقد اضطرت العديد من الفرضيات التي كانت تعتمد في السابق بشكل أساسي على القطع الأثرية إلى التعديل بعد ظهور أدلة جينية إضافية.

z5z7h1t7vzv2xqb49g0cy y4vtdsjqhj7wcle 3uwdnmld0fwd m1u9n9ql9uebz sd4n0rvzubmyimctateyaux3smupea3kttvwgflf76airtxfmlticexfch rvr9lev4oq8zwbez w8m2lhdxxakg8 a80jmk5mzw9rzu3yzroef470untqen8zhhzpo.jpg

صورة: culture.gouv

مع ذلك، فإن دراسة الحمض النووي القديم ليست بالأمر الهين. يتدهور الحمض النووي بمرور الوقت ويتلوث بسهولة بالحمض النووي البشري الحديث. لذا، يجب معالجة العينات في مختبرات معقمة وفق إجراءات صارمة. وبشكل عام، تحافظ المناخات الباردة والجافة، مثل سيبيريا أو الكهوف، على الحمض النووي بشكل أفضل بكثير من المناطق الاستوائية الحارة والرطبة.

أصبح الحمض النووي القديم اليوم أحد أقوى الأدوات لكشف أسرار الماضي. فكل جينوم يتم فك شفرته يُشبه قطعة جديدة من أحجية، تُساعد في توضيح صورة التاريخ البشري. وما كان يُعتبر حقيقة تاريخية يُمكن استكماله أو تعديله مع استمرار الأدلة الجينية في الكشف عن قصص ظلت كامنة لآلاف السنين.

المصدر: