في دالاس، الولايات المتحدة الأمريكية، صباح يوم 15 يوليو، لم يخسر المنتخب الفرنسي بسبب افتقاره للاعبين النجوم، بل لأن ديدييه ديشامب فقد أهم ميزة لديه: قدرته على قراءة مجريات المباراة. لم تكن الهزيمة 0-2 أمام إسبانيا في نصف نهائي كأس العالم 2026 مجرد يوم من الأداء المتواضع، بل كانت نتيجة سلسلة من القرارات الخاطئة، بدءًا من أسلوب اللعب وصولًا إلى تعديلات التشكيلة.
انهيار نظام دفاعي شهير.
كان ديدييه ديشامب يُعتبر في يوم من الأيام خبيرًا في مباريات خروج المغلوب. قاد “الديوك” للفوز بكأس العالم 2018 والتأهل إلى نهائي 2022 بفضل فلسفة عملية: لا تعتمد بالضرورة على الأداء الرائع، بل على السيطرة على مجريات المباراة. إلا أنه أمام إسبانيا التي يصعب التنبؤ بأدائها، تلاشت صورة الفريق المنضبط تمامًا.
أظهرت إحصائيات ما بعد المباراة التعادل الشديد الذي واجهه ممثلو المنتخب الأوروبي. بلغ معدل الأهداف المتوقعة لفرنسا 0.3 هدف فقط. طوال التسعين دقيقة، لم يخلق كيليان مبابي وزملاؤه أي فرص تهديفية حقيقية. تجلى تفوق إسبانيا بوضوح في ركلة الجزاء الافتتاحية التي سجلها ميكيل أويارزابال، وهدف بيدرو بورو الذي حسم الفوز بنتيجة 2-0.
أخطاء في تنظيم عملية الضغط
بعد المباراة، أشار القائد كيليان مبابي بصراحة إلى الخلل التكتيكي: “ضغطنا بثلاثة لاعبين ضد لاعبين اثنين منهم. كان ذلك خطأً. أمام إسبانيا، كان ينبغي علينا الضغط رجلاً لرجل.” لخص هذا التصريح مشكلة فرنسا: لقد أعدوا خطة قديمة لمنافس عصري.
قد يعجبك أيضاً
افتقر نظام الضغط الفرنسي إلى التماسك. فبينما اندفع خط الهجوم، المؤلف من مبابي وعثمان ديمبيلي وبرادلي باركولا، عالياً في الملعب، فشل خط الوسط في مواكبة السرعة وتقليص الفارق. وقد خلق هذا مساحات شاسعة في وسط الملعب، حيث تمكن رودري وفابيان رويز وداني أولمو من التحكم في إيقاع اللعب بحرية.

بدلاً من خنق خط الوسط كما هو معتاد تحت قيادة ديشامب، سمح المنتخب الفرنسي لمنافسيه بالسيطرة الكاملة على إيقاع المباراة. وهذا أمر نادر بالنسبة لفريق يعتمد على الانضباط التكتيكي. اتسعت الثغرات بين الخطوط، مما حال دون تمكّن فرنسا من تنفيذ الهجمات المرتدة السريعة التي تُعدّ سلاحها الأقوى.
تردد ديدييه ديشامب الغريب
أكثر ما أثار دهشة الخبراء هو تأخر ديشامب في إجراء التعديلات. ففي نهائي كأس العالم 2022، فاجأ الجميع باستبدال لاعبين أساسيين في الشوط الأول ليقلب مجرى المباراة. لكن في دالاس، اختفت تلك الحسمة.
رغم تفوق خصومهم الواضح في خط الوسط، حافظ ديشامب على التشكيلة الأساسية نفسها، ولم يُجرِ سوى تغييرات طفيفة لاستبدال اللاعبين بدلاً من تغيير هيكل الفريق. ولم تظهر التعديلات التكتيكية الحقيقية إلا قرب نهاية الشوط الثاني، عندما سيطرت إسبانيا تماماً على مجريات المباراة.

خلال المؤتمر الصحفي، اعترف الاستراتيجي الفرنسي قائلاً: “لقد افتقرنا إلى الدقة في لعبنا ولم نتمكن من الحفاظ على الطاقة اللازمة. لقد قرأت إسبانيا الموقف جيداً، حيث اعترضت التمريرات باستمرار وعطلت سلاسل تمريراتنا”.
لا تمحو الهزيمة في نصف نهائي كأس العالم 2026 إسهامات ديشامب على مدى العقد الماضي، لكنها بمثابة تحذير شديد اللهجة. فعندما يتطور خصوم مثل إسبانيا باستمرار في تفكيرهم التكتيكي، يصبح الاعتماد فقط على براعة اللاعبين النجوم أو خبرة المدرب غير كافٍ. لقد استسلمت فرنسا لنهجها المحافظ في ليلة فقدت فيها هويتها كبطلة.
المصدر:


