ميسي أعظم من مارادونا “البطل الخارق”.

ميسي أعظم من مارادونا “البطل الخارق”.
ميسي أعظم من مارادونا "البطل الخارق".

بفضل أدائه في كأس العالم 2026، لم يحطم ليونيل ميسي كل بقايا الجدل “بين ميسي ورونالدو ، من هو الأفضل؟” فحسب، بل أثبت أيضًا أنه أعظم من “الفتى الذهبي” دييغو مارادونا في البطولة الأكثر شهرة في العالم.

في يونيو، أجرت شركة الاستشارات “خورخي جياكوبي وشركاؤه” استطلاعًا في الأرجنتين طرحت فيه السؤال التالي: “أعظم لاعب في تاريخ الأرجنتين هو…”. أظهرت النتائج أن 73% من المشاركين اختاروا ميسي، بينما مال نحو 23% إلى مارادونا. أما بين الفئة العمرية من 16 إلى 30 عامًا، فقد أكد أكثر من 80% منهم أن ميسي هو الأفضل. في المقابل، اعتبر 33% من الفئة العمرية 51 عامًا فأكثر أن مارادونا أعظم من ميسي.

تعكس هذه النتيجة اختلاف وجهات النظر بين الأجيال في الأرجنتين. فغالبية الشباب، الذين لم تتح لهم فرصة مشاهدة مارادونا يلعب، يكنّون احتراماً كبيراً لميسي. في المقابل، بالنسبة للعديد من المشجعين الأكبر سناً، يبقى مارادونا أسطورة كرة قدم لا تُضاهى.

هذا أمر مفهوم تماماً، لأن ما حققه مارادونا في كأس العالم 1986 كان بلا شك أحد أعظم العروض الفردية في تاريخ كرة القدم.

“أكثر العروض الفنية إثارة في تاريخ كأس العالم”

في سبع مباريات خلال كأس العالم 1986 في المكسيك، سجل مارادونا خمسة أهداف وصنع خمسة أخرى. وساهم بشكل مباشر في عشرة من أهداف الأرجنتين الأربعة عشر (71.4%). ومن أبرز إسهاماته الهدف الرائع ضد بلجيكا، والذي يُعرف بـ”هدف القرن”، في مباراة ربع النهائي التي انتهت بفوز الأرجنتين 2-1 على إنجلترا، بالإضافة إلى التمريرة الحاسمة التي حسمت فوز الأرجنتين 3-2 على ألمانيا الغربية في المباراة النهائية.

لم يقتصر دور مارادونا على تسجيل الأهداف وصناعة التمريرات الحاسمة، بل صنع أيضاً 30 تسديدة خطيرة وهيّأ 27 فرصة تهديفية لزملائه. وأكمل بنجاح 53 مراوغة في 7 مباريات، وهو رقم قياسي في كأس العالم حتى اليوم. ويحتل ميسي المركز الثاني برصيد 46 مراوغة في كأس العالم 2014.

ما جعل مارادونا مميزاً هو أنه لم يكن مجرد صانع ألعاب أو هداف. كان مارادونا يتراجع كثيراً إلى الخلف لاستلام الكرة، وتنظيم الهجمات، والضغط على الخصوم، والمشاركة في الالتحامات الشرسة، بل وحتى المشاركة في الدفاع والقيام بالتدخلات.

كان مارادونا بحق العقل والقلب النابض للمنتخب الأرجنتيني.

وعلى وجه الخصوص، حقق كل تلك الإنجازات الاستثنائية في كأس العالم 1986 مع منتخب الأرجنتين الذي لم يكن يضم العديد من اللاعبين المتميزين فرديًا. في ذلك الوقت، كان الحكام يميلون أيضًا إلى عدم حماية اللاعبين الموهوبين فنيًا من الأخطاء العنيفة.

في المكسيك، تعرض مارادونا للعرقلة 53 مرة، أي ما يقارب ضعف عدد الأخطاء التي ارتكبت ضد ثاني أكثر اللاعبين تعرضاً للعرقلة في هذه القائمة (بمعدل 7.6 خطأ في المباراة الواحدة). وخلال مشاركاته الأربع في كأس العالم، حصل الأرجنتين على 152 ركلة حرة نتيجة أخطاء ارتكبت ضده.

سبق أن قدّم بيليه عروضاً لا تُنسى في كأسَي العالم 1958 و1970، بينما أسر غارينشا العالم في كأس العالم 1962. ومع ذلك، يُجمع الخبراء ووسائل الإعلام الدولية على أن أداء مارادونا في كأس العالم 1986 بالمكسيك هو “أعظم أداء فني في تاريخ كأس العالم”، و”أعظم مشاركة لأي لاعب في كأس العالم”.

كانت تلك البطولة التي أظهر فيها مارادونا قدرته على التحكم في المباراة، وهدوئه في اللحظات الحاسمة، وتأثيره شبه المطلق.

ابتكر مارادونا تحفة فنية ستخلد في الذاكرة مدى الحياة ضد إنجلترا.

بعد أربع سنوات، قاد مارادونا الأرجنتين إلى نهائي كأس العالم 1990 في إيطاليا، رغم معاناته من إصابة مزمنة في الكاحل وتراجع مستواه. ولعلّ أبرز لحظاته كانت مراوغته لعدد من اللاعبين البرازيليين قبل أن يمرر تمريرة حاسمة لكلاوديو كانيجيا ليسجل الهدف الوحيد، ويؤهل الأرجنتين إلى ربع النهائي.

على الرغم من أنه لم يكن بنفس قوة أدائه في عام 1986، إلا أن مارادونا كان لا يزال العامل الأكثر أهمية في مساعدة الأرجنتين على الوصول إلى النهائي، قبل هزيمتهم أمام ألمانيا الغربية.

لم يُسهم كأس العالم 2022 في تجاوز ميسي لمارادونا.

على غرار مارادونا، قاد ميسي الأرجنتين أيضاً إلى نهائي كأس العالم وتعرض لهزيمة مريرة أمام ألمانيا في عام 2014. حتى أن تأثير ميسي في تلك البطولة تجاوز تأثير مارادونا في كأس العالم 1990، حيث سجل 4 أهداف وقدم تمريرة حاسمة واحدة، مساهماً بشكل مباشر في 62% من أهداف الأرجنتين.

في فريق الأرجنتين الذي يضم العديد من اللاعبين الهجوميين الموهوبين ولكنه يعطي الأولوية للصلابة الدفاعية، يُعتبر ميسي العقل والقلب النابض للفريق.

شكّل كأس العالم 2014 أيضاً علامة فارقة في مسيرة ميسي على مستوى المنتخب الوطني. فقد أصبح قائداً، وهدافاً، وصانع ألعاب، وصانع ألعاب.

لكن هذا لا يزال غير كافٍ.

قد يعجبك أيضاً

توماس توخيل وتحدي إعادة بناء المنتخب الإنجليزي بعد فشله في كأس العالم 2026.
انتشرت صورة ميسي وهو يستحم يامال مجدداً على نطاق واسع بعد 18 عاماً.

انتشرت صورة ميسي وهو يستحم يامال مجدداً على نطاق واسع بعد 18 عاماً.انتشرت صورة التقطت لحظة استحمام ليونيل ميسي للطفل لامين يامال عندما كان عمره أربعة أشهر فقط، وعادت لتنتشر على نطاق واسع مرة أخرى، بعد فوز الأرجنتين حاملة اللقب بشكل مثير على إنجلترا بنتيجة 2-1 في مباراة نصف النهائي يوم الخميس، لتتأهل إلى نهائي كأس العالم 2026 ضد إسبانيا.
إسبانيا تتلقى أخباراً سارة بشأن لامين يامال قبل نهائي كأس العالم 2026 ضد الأرجنتين.

فشلت الأرجنتين في الفوز بالبطولة، ولا يزال ميسي ينتظر. وقد استمرّ الألم بعد خروج منتخب أمريكا الجنوبية مبكراً من كأس العالم 2018 إثر هزيمته أمام فرنسا.

لم يصبح ميسي بطلاً حقيقياً في نظر الشعب الأرجنتيني إلا في عام 2022، عندما قاد “لا ألبيسيليستي” إلى قمة العالم في قطر.

في تلك البطولة، قدّم ميسي أداءً لا يُنسى بتسجيله 7 أهداف، من بينها هدفان في المباراة النهائية ضد فرنسا، بالإضافة إلى 3 تمريرات حاسمة. وكان له دور مباشر في 66% من أهداف الأرجنتين.

يلعب ميسي بحرية كصانع ألعاب، ويقود فريق الأرجنتين الذي لا يضم العديد من اللاعبين العالميين، وغالباً ما يتراجع إلى الخلف للتحكم في إيقاع المباراة، وتنظيم الهجمات، وتوسيع دفاع الخصم، وخلق مساحة لزملائه في الفريق.

مرر الكرة قرابة 300 مرة، وصنع 21 فرصة تهديفية لزملائه، من بينها 7 فرص محققة. من الإحصائيات الأساسية إلى المقاييس المتعمقة مثل الأهداف المتوقعة (xG) والتمريرات الحاسمة المتوقعة (xA) وعدد المراوغات وعدد اللمسات داخل منطقة جزاء الخصم وعدد التمريرات داخل منطقة الجزاء، كان ميسي من بين أفضل لاعبي كأس العالم 2022.

تؤكد هذه الأرقام موهبة ميسي الشاملة في قيادة الأرجنتين إلى قمة العالم.

Messi ảnh 4

لا يزال ميسي، البالغ من العمر 39 عاماً، يقدم أداءً كروياً استثنائياً.

في قطر، قدّم ميسي سلسلة من اللحظات الرائعة. من بينها الهدف الحاسم ضد المكسيك الذي ساعد الأرجنتين على تجاوز الهزيمة المفاجئة أمام السعودية وضمان مكانها في الدور التالي. كما قدّم تمريرة بينية متقنة أدت إلى هدف ناهويل مولينا ضد هولندا في ربع النهائي. وأخيرًا، مراوغته الرائعة التي تجاوزت يوسكو غفارديول قبل أن يمرر الكرة إلى جوليان ألفاريز ليسجل هدف الفوز ضد كرواتيا في نصف النهائي.

مع ذلك، عند المقارنة المباشرة، يظل أداء مارادونا في كأس العالم 1986 يحمل طابعًا “خارقًا” أكثر وضوحًا. فقد خلقت لحظات مارادونا الخاطفة وقدرته على تغيير مجرى المباراة بمفرده شعورًا ساحرًا لم يبلغه أداء ميسي في كأس العالم 2022، رغم براعته وفعاليته.

ولهذا السبب أيضاً لا يزال العديد من مشجعي الأرجنتين القدامى يكنون لمارادونا مكانة خاصة.

ساعدت بطولة كأس العالم 2022 ميسي على تحقيق حلمه بالفوز ببطولة العالم، لكن ليس من المؤكد أنها ستنهي الجدل حول من هو الأعظم على أكبر مسرح على هذا الكوكب.

كأس العالم 2026، حيث يصبح ميسي “بطلاً خارقاً”

لكن كأس العالم 2026 شكلت نقطة التحول النهائية.

لا يزال ميسي، البالغ من العمر 39 عامًا، أحد أفضل لاعبي الدوري، متفوقًا على العديد من النجوم الصاعدة مثل كيليان مبابي، وهاري كين، وإيرلينغ هالاند، ولامين يامال. كان من المفترض أن يكون هذا الحدث من نصيبهم، لكنهم جميعًا اضطروا إلى إفساح المجال أمام نجمهم الأرجنتيني المخضرم.

بعد مباراة نصف النهائي ضد إنجلترا، سجل ميسي 8 أهداف، متصدراً قائمة الهدافين إلى جانب مبابي، كما صنع 4 تمريرات حاسمة. وصنع 26 فرصة تهديفية لزملائه، منها 8 فرص محققة، وأرسل 19 عرضية دقيقة، وأكمل 25 مراوغة، وكلها من بين الأفضل في البطولة.

هذه الأرقام ليست سوى جزء من القصة.

أكثر ما يميز ميسي في كأس العالم 2026 هو قدرته على التكيف. لم يعد منتخب الأرجنتين بقيادة سكالوني يتمتع بالتوازن والتماسك اللذين ميزا النسخة التي فازت في قطر. كما أنهم يفتقرون إلى جناح قادر على صناعة الفارق باستمرار مثل أنخيل دي ماريا.

يعتمد الفريق الحالي من أمريكا الجنوبية على مبدأ بسيط: السيطرة على المباراة، والحفاظ على التوازن، وإيصال الكرة إلى ميسي في اللحظة الأكثر أهمية.

في دور المجموعات ودور الـ16، حين سيطرت الأرجنتين سيطرة تامة على مجريات اللعب، استمر ميسي في أداء دور المهاجم الفتاك الذي يسجل أهدافًا حاسمة. لكن بدءًا من دور الـ16، حين لعبت فرق مثل مصر وسويسرا وإنجلترا بأسلوب أكثر شراسة وأحكمت دفاعاتها، تغير أداء ميسي بشكل جذري.

لم يعد يحاول اختراق الدفاع بمفرده.

تراجع ميسي إلى الخلف، واتجه أكثر نحو اليمين، وشارك في تنظيم اللعب، وأرسل تمريرات قادرة على اختراق دفاع الخصم. أصبح هو اللاعب الحاسم في المباريات التي عانت فيها الأرجنتين.

Messi ảnh 5

ساهم ميسي في هدف لاوتارو، ليحقق فوزاً بنتيجة 2-1 للأرجنتين على إنجلترا في نصف نهائي كأس العالم 2026.

في مباراة إنجلترا، لم يسجل ميسي أي هدف، لكنه كان له دورٌ في كلا الهدفين. فقد اخترق دفاع الخصم في اللقطة التي سجل فيها إنزو فرنانديز هدف التعادل، قبل أن يرسل عرضية بقدمه اليمنى إلى لاوتارو مارتينيز الذي سددها برأسه مسجلاً هدف الفوز.

هذا ميسي مختلف.

لم يعد الأمر يتعلق بلاعب يسجل الأهداف لإثبات جدارته، بل يتعلق بشخص يجعل الفريق بأكمله أكثر خطورة.

ما يُثير إعجاب الجماهير ليس موهبته فحسب، بل أيضاً كيف يُحافظ ميسي على مستوى أدائه في سنٍّ تبدو مستحيلة. فاز مارادونا بكأس العالم 1986 وهو في أوج لياقته البدنية، في سنّ السادسة والعشرين فقط. سيبلغ ميسي التاسعة والثلاثين من عمره بحلول كأس العالم 2026، حين يكون معظم لاعبي جيله قد اعتزلوا كرة القدم الاحترافية.

ومع ذلك، عند مشاهدته وهو يسيطر على الكرة وسط حشد من 3-4 لاعبين إنجليز، ومشاهدة كيف يجد اللاعب الأرجنتيني رقم 10 مساحة ويصنع الفارق، لا يسع المرء إلا أن يعترف بشيء واحد: إنه ميسي.

سيظل مارادونا إلى الأبد أول “بطل خارق” لكرة القدم الأرجنتينية. وستبقى بطولة كأس العالم 1986 أيضاً واحدة من أعظم القصص في تاريخ كرة القدم.

لكن ميسي صنع فصلاً خاصاً به.

من الإخفاق في كأس العالم 2014، إلى الفوز بكوبا أمريكا، وكأس العالم 2022، ومسيرته في كأس العالم 2026، لم يحقق ميسي أحلامه فحسب، بل تجاوز أيضاً كل الحدود التي وُضعت له على الإطلاق.

مارادونا هو رمز لكأس عالم ساحر.

ميسي رمز للعظمة الخالدة عبر الأجيال.

وبعد كل شيء، على أكبر مسرح في عالم كرة القدم، من الصعب إنكار أن ليونيل ميسي قد تفوق على جميع الآخرين.

المصدر: