بفضل مزاياها في الموارد البشرية وبيئة الابتكار، فإن هانوي مهيأة لتنشئة جيل من الشباب الذين يتقنون التكنولوجيا ويخلقون قيمة للمجتمع.
تتوفر فرص العمل على نطاق واسع في العصر الرقمي.
بحسب الدكتور فام هوي هيو، المحاضر في معهد علوم وهندسة الحاسوب، ونائب مدير قسم البحث والابتكار، ورئيس قسم إدارة البحوث في جامعة فينوني، فإنه في حين كان بدء المسيرة المهنية في السابق مرتبطًا غالبًا برأس المال، والمقر، والمعدات، أو وظيفة مستقرة، فإن الاقتصاد الرقمي اليوم يُغير جذريًا طريقة بدء الشباب لمسيرتهم المهنية. فبمجرد امتلاك جهاز كمبيوتر، واتصال بالإنترنت، وقدرة إبداعية، يستطيع العديد من الشباب تطوير منتجات، وتقديم خدمات للسوق العالمية، أو بناء شركات قائمة على الملكية الفكرية.
يُساهم التطور السريع للذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والبيانات الضخمة، والتجارة الإلكترونية، والتكنولوجيا المالية في تقليص الفجوة بين الفكرة والمنتج. وتُقلل هذه التقنيات بشكل كبير من تكاليف بدء المشاريع، بينما تُتيح في الوقت نفسه فرصًا للأفراد أو المجموعات الصغيرة لخلق قيمة على نطاق واسع.
على وجه الخصوص، يُحدث الذكاء الاصطناعي تحولاً جذرياً، إذ تتضاعف قدرات كل فرد بشكل غير مسبوق. ويتحول نموذج “الشركة الفردية” تدريجياً إلى واقع ملموس، حيث يمكن الآن إنجاز العديد من الوظائف التي كانت تتطلب فريقاً كاملاً باستخدام الأدوات الرقمية والأتمتة. ويخلق هذا أيضاً طلباً جديداً: ستتسع الفجوة بين من يتقنون التكنولوجيا ومن يستخدمونها بشكل سلبي.
يرى الدكتور فام هوي هيو أن أهم موارد الاقتصاد الرقمي لم تعد الأرض أو الآلات، بل المعرفة والبيانات والمهارات الرقمية والإبداع والقدرة على التواصل مع منظومة الابتكار. وهذه هي الموارد التي تساعد الشباب على تحقيق طموحاتهم في بدء مشاريعهم الخاصة في هذا السياق الجديد.
باعتبارها المركز السياسي والاقتصادي والتعليمي والعلمي للبلاد، تتمتع هانوي بمزايا عديدة تجعلها وجهةً للأفكار المبتكرة. تضم المدينة منظومة واسعة من الجامعات ومعاهد البحوث وشركات التكنولوجيا وصناديق الاستثمار، بالإضافة إلى فريق كبير من الخبراء. وهذا يشكل أساساً هاماً لدعم الشباب في الوصول إلى المعرفة والتكنولوجيا وموارد التنمية.
علاوة على ذلك، تُعدّ القيم الثقافية الفريدة والتراث والحرف التقليدية والصناعات الإبداعية للعاصمة موارد قيّمة لتكوين العديد من نماذج الأعمال الجديدة. وعند دمجها مع التكنولوجيا الرقمية، يُمكن تحويل هذه القيم التقليدية إلى منتجات تتمتع بقدرة تنافسية عالية في الأسواق المحلية والدولية على حد سواء.
تأسيس مشروع تجاري قائم على مشاكل العاصمة.
بحسب الدكتور فام هوي هيو، لا يشترط أن تبدأ ريادة الأعمال بفكرة عظيمة، بل ينبغي أن تنبع أولاً من مشاكل واقعية. ففي كل مكان توجد فيه صعوبات، توجد دائماً فرص للابتكار وخلق القيمة.

بالنسبة لهانوي، يمكن أن تصبح قضايا مثل حركة المرور، وتلوث الهواء، ورعاية المسنين، والتعليم الشخصي، والحفاظ على التراث، ورقمنة الحرف التقليدية، وتطوير السياحة، أو تحسين جودة الخدمات العامة، أرضاً خصبة للشباب لبدء أعمالهم التجارية.
قد يُسهم تطبيقٌ يُساعد الناس على اختيار طرقٍ أقل ازدحامًا في تخفيف الضغط المروري. كما يُمكن لمنصة ذكاء اصطناعي تدعم الكشف المبكر عن الأمراض أن تُحسّن جودة الرعاية الصحية. أو قد يُتيح حلٌ لرقمنة قرى الحرف التقليدية إيصال منتجات هانوي المصنوعة يدويًا إلى العملاء في جميع أنحاء العالم. تنطلق كل هذه الأفكار من تلبية حاجة مجتمعية مُحددة للغاية.
للاستفادة القصوى من هذه الفرص، لا يحتاج الشباب إلى المعرفة المتخصصة فحسب، بل إلى مهارات العصر الحديثة أيضاً. وتشمل هذه المهارات التفكير النقدي، والإبداع، ومهارات البحث، والقدرة على إتقان التقنيات الحديثة، وإتقان اللغات الأجنبية، والانفتاح على العالم. وفي ظل التطور السريع للذكاء الاصطناعي، ستصبح روح التعلم مدى الحياة والقدرة على التكيف أهم المزايا التنافسية.
“إلى جانب الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وبناء منظومة ابتكار، وتطبيق سياسات لدعم الأعمال، تعمل هانوي تدريجياً على تهيئة الظروف المناسبة لرعاية الأفكار الإبداعية وتسويقها. ومع ذلك، لا تصبح الفرص قوة دافعة حقيقية للتنمية إلا عندما ينمّي كل شاب رغبة في المساهمة، ويتعلم بنشاط، ويتجرأ على تحويل مشاكل العاصمة إلى حلول باستخدام المعرفة والتكنولوجيا والإبداع”، هذا ما أكده الدكتور فام هوي هيو.
في العصر الرقمي، لم تعد ريادة الأعمال مجرد إيجاد وظيفة أو بناء مشروع تجاري، بل هي رحلة لإتقان القدرات الشخصية، والمساهمة في حل مشكلات المجتمع، وخلق قيمة مضافة له. عندما ينظر كل شاب وشابة إلى تحديات العاصمة كفرصة للابتكار، ستحظى هانوي بجيل من المواطنين لا يقتصر دورهم على التكيف مع المستقبل فحسب، بل يمتلكون أيضاً الشجاعة لصناعته.
المصدر:
