| بعد أربع سنوات من كأس العالم 2022، أصبح لاوتارو مارتينيز الرجل الذي قاد الأرجنتين إلى النهائي بأهدافه الحاسمة. |
في الدقيقة 90+2 من مباراة نصف النهائي ضد إنجلترا في كأس العالم 2026، أفلت لاوتارو مارتينيز من رقابة دفاع الخصم وسدد الكرة برأسه في شباك جوردان بيكفورد. وبهذا الهدف، حقق المنتخب الأرجنتيني عودة رائعة بنتيجة 2-1، ليتأهل إلى نهائي كأس العالم للمرة الثانية على التوالي.
لم يشارك لاوتارو إلا في الدقائق الأخيرة. لم يُتح له الوقت الكافي للدخول في أجواء المباراة أو الانخراط فيها بشكل كامل. كانت مهمة المهاجم الصريح في ذلك الوقت بسيطة: إيجاد المساحات واستغلال الفرص. وقد فعل كلا الأمرين في لحظة واحدة.
قبل أربعة أيام، سجل مهاجم إنتر ميلان هدفًا في الدقيقة 121، ليحسم الفوز 3-1 على سويسرا في ربع النهائي. وللجولتين التاليتين، ظهر لاوتارو في وقت متأخر من المباراة ليقضي على آمال الخصم.
لذا، يحمل كأس العالم 2026 أهمية خاصة بالنسبة للاوتارو، الذي سجل ثلاثة أهداف في هذه البطولة. لم تكن هذه البطولة ناجحة فحسب، بل كانت أيضاً بمثابة رد على الشكوك التي طال أمدها حول قطر.
الحقيقة وراء قطر 2022
وصل لاوتارو إلى كأس العالم 2022 بصفته المهاجم الأول للأرجنتين. شارك أساسيًا أمام السعودية والمكسيك، لكنه لم يسجل. ومنذ المباراة الأخيرة في دور المجموعات ضد بولندا، منح ليونيل سكالوني جوليان ألفاريز فرصة اللعب أساسيًا، واستمر على هذا الخيار حتى نهاية البطولة.
لم يكن فقدان لاوتارو لمكانه في الفريق ناتجًا فقط عن إهدار الفرص، فقد تعرض لإصابة في الكاحل قبل البطولة واضطر لتلقي حقن مسكنة للألم ليتمكن من اللعب. وأكد وكيل أعماله، أليخاندرو كاماتشو، لاحقًا أن المهاجم كان يعاني من ألم شديد، واعترف لاوتارو نفسه بأن الإصابة أثرت على أدائه.
| سجل لاوتارو مارتينيز هدفاً في فوز الأرجنتين 2-1 على إنجلترا في نصف نهائي كأس العالم 2026. |
لكن اللياقة البدنية لم تكن العامل الوحيد. فقد استغل ألفاريز الفرص بشكل أفضل. ضغط مهاجم مانشستر سيتي آنذاك بقوة، وتحرك على نطاق واسع، ومنح التعديلات التكتيكية التي وضعها سكالوني الحيوية المطلوبة. سجل هدفًا ضد بولندا، ثم سجل هدفًا آخر في دور الـ16 ضد أستراليا، ولعب دورًا حاسمًا في مسيرة الفريق نحو اللقب.
قد يعجبك أيضاً
كان رحيل لاوتارو عن التشكيلة الأساسية منطقياً. لم يكن أحد اللاعبين في أفضل حالاته، بينما كان الآخر يلعب بفعالية ويساهم في سلاسة أداء الفريق. اختار سكالوني اللاعب الأنسب للفريق في ذلك الوقت.
من الجدير بالذكر أن لاوتارو لم يسمح لخيبة أمله الشخصية بأن تتحول إلى مشكلة جماعية. فقد تقبّل دور اللاعب الاحتياطي، واستمر في اللعب في مباريات خروج المغلوب، وسجل ركلة الجزاء الحاسمة في ركلات الترجيح ضد هولندا. وفي المباراة النهائية ضد فرنسا، تم إشراكه في الوقت الإضافي عندما تراجع مستوى أداء ألفاريز.
كانت بطولة قطر 2022 لا تزال غير مكتملة بالنسبة للاوتارو. لم يُسجل أي هدف وخسر مركزًا كان يُعتبر في السابق لا يُمكن تعويضه. لكن هذا ليس “عيبًا”، ولا يُثبت أنه غير قادر على اللعب على أعلى مستوى. الإصابات، وتراجع مستواه، وتألق ألفاريز، كلها عوامل اجتمعت في وقت واحد.
قيمة المهاجم المركزي المتكامل
غالباً ما يُستهان بلاوتارو لافتقاره إلى ميزة بارزة تُصبح علامته المميزة. يُبهر إيرلينغ هالاند ببنيته الجسدية وأدائه. يُعرف هاري كين بقدراته الإبداعية. يُحدث كيليان مبابي فرقاً بفضل سرعته.
لا يتفوق لاوتارو في جانب واحد، لكنه يؤدي بشكل جيد في جميع أدوار المهاجم الصريح تقريبًا. فهو قادر على التراجع إلى الخلف للتنسيق مع خط الوسط، والاحتفاظ بالكرة، وجذب المدافعين للخروج من مراكزهم، والضغط، والتسديد داخل منطقة الجزاء.
| من لاعب فقد مكانه الأساسي في عام 2022 إلى مهاجم حسم مباريات خروج المغلوب، أكمل لاوتارو عودته. |
في إنتر ميلان، ساعدت هذه الصفات لاوتارو على التأقلم مع العديد من الشركاء المختلفين. فقد لعب إلى جانب روميلو لوكاكو، وإدين دجيكو، وماركوس تورام. وحتى مع تغيير الشركاء، ظل لاوتارو الحلقة الأهم في الهجوم.
لا تكمن قيمة المهاجم الأرجنتيني في عدد أهدافه فحسب، بل في قدرته على خلق مساحة لزميله بحركة واحدة، وفي الضغط على الخصم، قد يُجبر المدافع على تمرير الكرة في غير موضعها. هذه التفاصيل الدقيقة نادراً ما تظهر في مقاطع الفيديو لأبرز اللقطات، لكنها تُحدد كيفية أداء الفريق.
ستُظهر بطولة كأس العالم 2026 أن لاوتارو قد نضج بعد أربع سنوات. ليس عليه أن يبدأ كل مباراة ليُثبت نفسه. عندما يكون ألفاريز أكثر ملاءمة، ينتظر لاوتارو فرصته. عندما تحتاج الأرجنتين إلى مهاجم صريح في منطقة الجزاء، يدخل ويؤدي المهمة.
في مباراة سويسرا، كان في المكان المناسب في الوقت المناسب ليسجل هدفًا من الكرة المرتدة بعد فشل حارس المرمى في الإمساك بها. وفي مباراة إنجلترا، تغلب المهاجم، الذي لا يتجاوز طوله 1.74 متر، على المدافعين طوال القامة بفضل تمركزه وتوقيت قفزته.
هدفان مختلفان، لكن كلاهما يُظهر غريزة الرقم 9: الاستعداد الدائم لفرصة لا تتكرر إلا مرة واحدة في العمر.
لن تمحو بطولة قطر 2022 مسيرة لاوتارو. فقد خسر مكانه في التشكيلة الأساسية وغادر البطولة دون تسجيل أي هدف. لكن بعد أربع سنوات، لم تعد تلك الذكرى كافية لتحديد هويته.
أصبح لاوتارو قائداً لنادي إنتر ميلان، وفاز بألقاب كبرى، وعاد إلى كأس العالم كلاعبٍ مؤثرٍ في تغيير مجرى المباريات. لم يكن بحاجة لأن يكون النجم الأبرز في المنتخب الأرجنتيني، فقيمته تكمن في فهمه لما يجب عليه فعله وتواجده في المكان المناسب في الوقت المناسب.
لم يستطع لاوتارو مارتينيز محو ذكرى قطر. لقد جعلها تبدو أصغر حجماً فقط.
المصدر:


