ربما لا تنتهي بطولة كأس العالم حقًا إلا على أرض الملعب، لأنه في قلوب المشجعين، دائمًا ما تُسمع صافرة النهاية متأخرة، وتستمر لفترة أطول، وتترك انطباعًا دائمًا لأيام بعد ذلك.
ما الذي يجذب مليارات الناس إلى ملعب كرة القدم إن لم يكن مهارات القدم “الفنية”، والتسديدات القوية والأنيقة في الوقت نفسه؟
لا يوجد في كأس العالم سوى بطل واحد، لكن مليارات الناس مفتونون به.
شاهد البعض المباراة من المقاهي، بينما ألقى آخرون نظرة خاطفة على هواتفهم أثناء مناوباتهم الليلية، واستيقظ البعض في الثالثة صباحاً. تسعون دقيقة من الإثارة والتشويق على أرض ملعب بعيد امتدت عبر أرجاء العالم، مُثيرَةً ابتسامات ودموعاً لا تُحصى.
لم تُنهِ صافرة النهاية مباراة كرة قدم فحسب، بل مثّلت أيضًا نهاية مسيرة العديد من اللاعبين المخضرمين. أما الجماهير؟ فقد كان بعضهم متشائمًا لدرجة أنهم ظنوا أنهم لن يتمكنوا من مشاهدة كأس العالم لأربع سنوات أخرى. ومن اللاعبين إلى المدربين، دخل بعضهم التاريخ، بينما انسحب آخرون بهدوء.

حزن المشجعين الفرنسيين بعد عودة فريقهم خالي الوفاض من كأس العالم 2026.
قد يعجبك أيضاً
أعتقد أن الكرة هي أعدل الأشياء. فهي لا تُميّز بين غنيّ وفقير، مشهور ومغمور. إنها ببساطة تتبع اللمسة في الوقت المناسب. ولذلك، تحتفظ كرة القدم بجمالٍ افتقدته جوانب كثيرة أخرى من الحياة. لو كان بإمكان الكرة أن تتكلم، لقالت: “أنا دائماً مستديرة”. وأي تشويه (إن وُجد) يأتي من الشخص الذي يُدير اللعبة.
لا أتذكر عدد بطولات كأس العالم التي شاركت فيها، لكنني أتذكر فكرتي بوضوح تام: في كرة القدم، لا يفصل بين البطل والمُهزوم سوى بضعة سنتيمترات. التسديدة التي تصطدم بالقائم ثم تدخل الشباك تُعتبر أسطورية. أما إذا ارتدت للخارج، فهي تُعتبر “مُهزومة”. ففي النهاية، الحياة مليئة بالتقلبات.
المنافسات الرياضية عموماً، وكأس العالم خصوصاً، أماكن تُقبل فيها الدموع. يبكي الرجال، وتبكي النساء، ويبكي الأطفال، ويبكي المدربون، ويبكي المشجعون. حتى كبار السن الجالسون أمام التلفاز… يبكون. هذه الدموع لا تُظهر ضعف أحد؛ بل تُثبت أن هناك أشياء تستحق الحب حتى النهاية.
بعد الهتافات ساد الصمت.
انتهت البطولة، وانطفأت أضواء الملعب. لم يعد لدينا عذر لنخبر والدينا أننا ذاهبون لمشاهدة كرة القدم مع الأصدقاء وسنعود في الصباح. لكن لا بأس! فالحب يحتاج إلى كرة القدم أيضًا، خاصةً وأننا… كنا مغرمين. عادت الحياة إلى طبيعتها وكأن كأس العالم لم يحدث أبدًا. كان الأمر أشبه بزخات مطر صيفية عابرة، لكن رائحة الأرض المحروقة ظلت عالقة في أذهاننا. لا يتذكر الناس كل الأهداف والهزائم، لكنهم يتذكرون التسديدات الطائرة، والشقلبات البهلوانية المذهلة، والتصديات، ووجوه اللاعبين المذهولة بعد تلك التسديدات الضائعة المؤلمة. ما يبقى ليس النتيجة، بل المشاعر. أشكر كأس العالم على هذا. عندما تجف المشاعر، لا تتحدث عن الحب.

صرخ مشجعو إنجلترا واحتفلوا بحماس شديد بعد فوز “الأسود الثلاثة” بأول ميدالية برونزية لهم منذ 60 عامًا.
ينطق الناس في مدينتي عبارة “كأس العالم” بـ”انسَ الكأس”. قد يبدو الأمر غريباً، لكنه في الواقع… صحيح. بعد انتهاء البطولة، على الجميع أن “ينسَ الكأس” ليعودوا إلى حياتهم، إلى روتينهم اليومي في أحيائهم أو قراهم. فلنقتدِ بالفريقين – حبتي أرز على منخل – بأن ننسى النصر بأسرع ما يمكن لنبقى متواضعين، وننسى الهزيمة لنستمر في الأمل.
تُذكّرنا بطولة كأس العالم بأن الناس ما زالوا قادرين على مشاركة الفرحة بأمور لا علاقة لها بحياتهم اليومية. ففي عالمٍ مليء بالاضطرابات، لا يزال بإمكان الملايين، بل المليارات، من الناس أن يحبسوا أنفاسهم لمشاهدة كرةٍ تتدحرج. أعتقد أن هذا هو أعظم انتصار لكرة القدم، لأنه نادرًا ما نجد “مباراة” يعبّر فيها المشاهدون عن مشاعرهم بحرية مع كل لحظة من مباراة تُقام على بُعد نصف العالم.
مع انتهاء كأس العالم، لم تعد أكشاك الباعة المتجولين مضاءة بأضواء ساطعة في جوف الليل. قد تجد كرة منسية على أرض الملعب. لكن لا بأس، فهي بحاجة للراحة بعد أن جلبت الكثير من الفرح والحزن للعالم أجمع. على سبيل المثال، جلب كأس العالم دخلاً لبائعي القهوة، وبعض النقود لبائعي الأعلام، وصنع الأطفال أبطالهم الكرويين الأوائل، ورحبت الزوجات بفرح بعودة أزواجهن المرهقين من قلة النوم.
المصدر:



