تُخلّف بيئة انعدام الجاذبية في الفضاء آثارًا طويلة الأمد على أجسام رواد الفضاء - صورة: ناسا
تُخلّف بيئة انعدام الجاذبية في الفضاء آثارًا طويلة الأمد على أجسام رواد الفضاء – صورة: ناسا
لا تقتصر كل رحلة فضائية على إبعاد البشر عن الأرض فحسب، بل تعرض الجسم أيضاً لبيئات قاسية مع انعدام الجاذبية والإشعاع عالي الكثافة والإجهاد الكبير على المستوى الخلوي.
في دراسة نُشرت في المجلة الدولية للعلوم الجزيئية ، قام فريق بقيادة البروفيسور جورج سبيرو من معهد قبرص لعلوم الأعصاب والجينات بتحليل مجموعات بيانات بيولوجية متعددة، بما في ذلك عينات من الخلايا البشرية التي تعرضت لبيئات انعدام الجاذبية.
كان هدف الفريق هو تحديد التغييرات التي تظهر باستمرار في نشاط الجينات عندما يغادر الجسم بيئته المألوفة على الأرض.
أظهرت النتائج أن العديد من الجينات المرتبطة بصحة القلب والأوعية الدموية، والاستجابات الالتهابية، وإصلاح الخلايا، والجهاز المناعي، قد تغيرت أنشطتها بشكل ملحوظ تحت تأثير بيئة الفضاء. فقد ازداد نشاط بعض الجينات، بينما انخفض نشاط البعض الآخر بمرور الوقت مع التعرض لانعدام الجاذبية.
والجدير بالذكر أن بعض التغيرات استمرت حتى بعد انتهاء ظروف انعدام الجاذبية. وهذا يشير إلى أن بيئة الفضاء قد تترك “آثاراً بيولوجية” على النشاط الجيني لفترة أطول مما كان يتصوره العلماء سابقاً.
حدد فريق البحث ستة جينات أظهرت تغيرات ملحوظة مع التعرض المطول لانعدام الجاذبية. ثلاثة منها أظهرت انخفاضًا في النشاط، بينما أظهرت الثلاثة الأخرى زيادة في النشاط. وتشارك هذه الجينات في العديد من العمليات الحيوية الهامة، مثل الإشارات الخلوية، والاستجابات المناعية، والتحكم في النشاط الخلوي، والاستجابة للأضرار.
قد يعجبك أيضاً

رائد فضاء يعمل على متن محطة الفضاء الدولية – صورة: ناسا
وفي دراسة أخرى أجريت على خلايا عضلة القلب البشرية، واصل العلماء اكتشاف أن بعض الجينات لم تعد إلى حالتها الطبيعية بعد انتهاء الرحلة.
من خلال مقارنة البيانات المتعلقة بأمراض القلب والأوعية الدموية، حدد الفريق 23 جينًا بارزًا، 19 منها قد تتأثر بالأدوية أو المواد المعروفة.
ومن ثم، يستخدم الفريق أدوات المعلوماتية الحيوية لفحص المركبات التي قد تُعكس أو تُخفف من الآثار الضارة لانعدام الجاذبية. هذا النهج، الذي يُطلق عليه إعادة استخدام الأدوية، يُمكن أن يُقلل الوقت اللازم لإيجاد حلول لحماية رواد الفضاء مقارنةً بتطوير أدوية جديدة كلياً.
مع ذلك، يشير الباحثون إلى أن هذه المركبات تم اختيارها باستخدام نماذج حاسوبية. ولا يزال يتعين التحقق من صحتها من خلال دراسات على الخلايا والحيوانات والبشر قبل استخدامها في مهمات الفضاء.
كما أن أبحاث الفضاء مفيدة للطب على الأرض.
إلى جانب أبحاثهم، قام فريق البروفيسور سبيرو بتطوير قاعدة البيانات الإلكترونية H-SPAR DB لتجميع الدراسات حول بيولوجيا الفضاء، ونشاط الجينات، وصحة الإنسان في بيئات الجاذبية الصغرى.
ووفقًا للعلماء، فإن الآليات المتأثرة في الفضاء، مثل الاستجابات الالتهابية، والإجهاد التأكسدي، واضطرابات القلب والأوعية الدموية، أو تلف الخلايا، ترتبط أيضًا بالعديد من الأمراض الشائعة على الأرض.
لذلك، فإن دراسة جسم الإنسان في بيئة الفضاء لا تخدم فقط البعثات طويلة الأمد إلى القمر أو المريخ، ولكنها قد تفتح أيضًا آفاقًا جديدة للبحث في الطب والرعاية الصحية على الأرض.
المصدر:
