مع اقتراب كأس العالم 2026 من مبارياتها النهائية لتحديد البطل، تتجه أنظار العالم نحو الأداء المذهل على أرض الملعب. إلا أنه وراء اللقطات السلسة وزوايا الكاميرا فائقة الدقة التي يستمتع بها مليارات المشاهدين يوميًا، تكمن آلة فائقة الكفاءة من حيث التكنولوجيا والتشغيل. وفي قلب هذه الأعجوبة تقع دالاس، تكساس، موطن مركز البث الدولي (IBC).
وصف رئيس الفيفا جياني إنفانتينو مركز دالاس للبث بأنه “أحدث مركز بث وأكثرها تقدماً من الناحية التكنولوجية شهده العالم على الإطلاق”، وهو أكثر من مجرد محطة ترحيل إشارة عادية.
هذا أشبه بمدينة تكنولوجية عملاقة مصغّرة، مقرّ رئيسي يعمل بلا توقف منذ أكثر من شهر. دعونا نستكشف كيف يربط هذا “العقل الخارق” الذي تبلغ مساحته 45 ألف متر مربع المشاعر من ملاعب كرة القدم الأمريكية إلى كل غرفة معيشة حول العالم.
الموقع الاستراتيجي والحجم الهائل لـ “قلب أمريكا الشمالية”
يقع مركز مؤتمرات IBC دالاس في مركز كاي بيلي هاتشيسون للمؤتمرات، ويتمتع بموقع استراتيجي مهم، حيث يعمل كمفترق طرق بين الدول الثلاث المضيفة: الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
هذه هي المرة الثانية فقط في التاريخ التي تُختار فيها دالاس مركزاً إعلامياً لكأس العالم (بعد بطولة عام 1994). ومع ذلك، بالمقارنة بحجمها قبل أكثر من ثلاثة عقود، يُمثل معرض IBC هذا العام قفزة نوعية هائلة من حيث التكنولوجيا والمساحة التشغيلية.
يضم هذا المجمع الضخم، الذي تبلغ مساحته ما يعادل مساحة العديد من ملاعب كرة القدم الدولية مجتمعة، أهم مكونات الدوري:
مقر خدمات البث المضيفة (HBS) : الوحدة المسؤولة عن إنتاج البث الأصلي لجميع مباريات البطولة البالغ عددها 104 مباراة.
هذا هو المنزل المشترك لأكثر من 2000 محترف: بما في ذلك المحررين والفنيين ومخرجي الفيديو والمراسلين من شركاء إعلاميين يملكون حقوق الطبع والنشر في جميع أنحاء العالم، والذين يقيمون ويعملون هنا بشكل مستمر لمدة 7 أشهر.
نظام VAR المركزي: حيث يجتمع أفضل حكام الفيديو في العالم، وينسقون مع الملاعب للتعامل مع المواقف في الوقت الفعلي.
قسم إنتاج المحتوى الرقمي والابتكار التكنولوجي: يقوم هذا القسم بإنتاج المحتوى المعروض على لوحات النتائج الإلكترونية في ملاعب الفيفا وعلى منصات التواصل الاجتماعي الخاصة بالفيفا.

رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) جياني إنفانتينو في مركز المؤتمرات الدولي قبل حفل افتتاح كأس العالم (صورة: الفيفا)
وبحسب الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، سيعمل ما يقرب من 2000 موظف من منظمات إعلامية دولية في مؤسسة البث الدولية (IBC) لمدة تصل إلى سبعة أشهر لتغطية كأس العالم 2026.
قال رومي غاي، المدير التجاري للفيفا، إن الفيفا يواصل رفع معايير الإنتاج التلفزيوني بناءً على الخبرة المكتسبة من بطولات كأس العالم السابقة.
ووفقاً له، تم بناء البنية التحتية الكاملة في مركز البث الدولي لخدمة أكثر من 180 محطة تلفزيونية حول العالم، مما يضمن قدرة المذيعين على استقبال الإشارات بجودة عالية واستقرار.
قد يعجبك أيضاً
البنية التحتية للخوادم الفائقة وشبكات النقل “بدون زمن استجابة”.
ولإدارة تدفق البيانات الهائل الذي يتم نقله بسلاسة من 16 ملعبًا مختلفًا عبر ثلاث دول، عقد الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) شراكة مع شركة التكنولوجيا لينوفو لبناء بنية تحتية لتكنولوجيا المعلومات تتمتع ببعض من أعلى قدرات المعالجة في العالم.
قوة “وحوش الأجهزة”
قامت شركة لينوفو بنشر نظام الخوادم المخصصة ThinkSystem SR635 V3 في مركز بيانات IBC. وتتولى هذه الأجهزة مسؤولية الحصول على ومعالجة وتوزيع مئات من بث الفيديو المباشر فائق الدقة من الميدان.
نظام IPTV عالي السرعة: توفر هذه البنية التحتية إشارات تلفزيونية مباشرة عبر 10 قنوات إرسال إلى أكثر من 1000 شاشة بأحجام مختلفة في جميع المناطق الوظيفية التابعة للفيفا ومناطق كبار الشخصيات في الملاعب.
تقليل زمن الاستجابة إلى أقل من 5 ثوانٍ: يُعدّ تحسين حركة مرور الشبكة عبر شركة فيريزون أحد أبرز الإنجازات التقنية في هذه النسخة من كأس العالم، حيث خفّض زمن الاستجابة من لحظة دخول الكرة أرض الملعب وحتى ظهورها على شاشة البث المباشر إلى أقل من 5 ثوانٍ. وهذا يسمح بإجراء عمليات المراقبة وإعادة العرض وتقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) بشكل شبه متزامن وفوري.
شبكة ضخمة من الأجهزة: يتم توزيع أكثر من 17000 جهاز ذكي (أجهزة لوحية وهواتف محمولة من لينوفو وموتورولا) عبر الملاعب وغرف تبديل الملابس ومراكز تدريب الفرق، وكلها متصلة مركزياً وتدار بواسطة فريق يضم أكثر من 200 مهندس تقني يعملون على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع في مركز IBC دالاس.
كيف أعاد الذكاء الاصطناعي تعريف تجربة مشاهدة كرة القدم؟
مع دخول البطولة مراحلها النهائية المثيرة للغاية، يستطيع مشاهدو التلفزيون بسهولة ملاحظة الفرق الكبير في جودة الصورة وشفافية قرارات الحكام. ويعود الفضل في ذلك إلى تقنيتين ثوريتين للذكاء الاصطناعي يتم تنسيقهما مباشرة من مقر IBC الرئيسي.
تقنية الصور الرمزية ثلاثية الأبعاد للاعبين المدعومة بالذكاء الاصطناعي
ولتوفير أقصى دعم لتقنية التسلل شبه الآلية، خضع جميع اللاعبين المشاركين لعملية مسح رقمي للجسم باستخدام تقنية الليزر والذكاء الاصطناعي قبل البداية الرسمية للبطولة.
في ثانية واحدة فقط لكل لاعب، أنشأ النظام نموذجًا ثلاثي الأبعاد كاملًا، يحاكي بدقة حجم أجزاء جسم كل نجم.
تم إنشاء الصورة بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
عندما يرصد نظام حكم الفيديو المساعد (VAR) في مركز التحكم الدولي (IBC) حالة تسلل حساسة، يقوم برنامج الذكاء الاصطناعي فورًا بإعادة بناء الموقف برسومات ثلاثية الأبعاد باستخدام هذه الصور الرمزية الافتراضية. تُبث هذه الصور مباشرةً على مستوى العالم وتُعرض على شاشات عملاقة في الملعب. لم يعد على المشاهدين إجهاد أعينهم بالنظر إلى خطوط ضبابية، بل يشاهدون إعادة بناء ثلاثية الأبعاد نابضة بالحياة وواضحة ومقنعة تمامًا.
تقنية عرض الحكم المستقر
بعد تجارب أولية واعدة في كأس العالم للأندية، شهدت تقنية الكاميرات المثبتة على أجساد الحكام (RefCam) انتشارًا واسعًا في هذه النسخة من البطولة. مع ذلك، يكمن التحدي الأكبر لهذه الكاميرات في أن حركات الركض أو الانعطافات المفاجئة غالبًا ما تُسبب اهتزازًا شديدًا، ما يؤدي إلى دوار لدى المشاهدين.
ولحل هذه المشكلة، قام المهندسون في شركة IBC بتطوير برنامج لتثبيت الصور يعمل في الوقت الفعلي ويعتمد على الذكاء الاصطناعي:
يقوم البرنامج تلقائيًا بحساب الحركة، والتعويض عنها، وتنعيم جميع اللقطات التي التقطتها كاميرا الحكم.
ونتيجة لذلك، يحصل مشاهدو التلفزيون على منظور ثابت وواضح من وجهة نظر الشخص الأول. وهذا لا يساعد المشجعين على فهم وجهة نظر الحكم في المواقف الحساسة فحسب، بل يزيد أيضًا من شفافية البطولة إلى مستوى جديد.
تحسين الموارد ونماذج الإنتاج عن بعد.
إن تشغيل الفيفا لمركز دالاس الدولي للأعمال ليس مجرد إنجاز تكنولوجي رائع، بل هو أيضاً درس قيّم في إدارة الموارد المالية والبشرية.
بدلاً من نشر فريق كبير من الفنيين في كل ملعب كما كان سابقاً، اعتمدت الفيفا نموذجاً مركزياً بالكامل. تتم جميع عمليات معالجة الرسومات، والتظليل (تصحيح ألوان الكاميرا)، وخاصة فريق الإعادة البطيئة، في مركز IBC دالاس، بالإضافة إلى مركز دعم ما بعد الإنتاج في لندن (إنجلترا).
قام بول كينغ، المنتج الأول في HBS، بتحليل الأمر قائلاً: “إذا قمنا بإنتاج الإعادة بالطريقة التقليدية لـ 16 ملعبًا مختلفًا، فسنحتاج إلى ما لا يقل عن 10 إلى 11 مشغل إعادة لكل طاقم في كل موقع. وهذا يخلق عددًا هائلاً من حيث تكاليف الموظفين والخدمات اللوجستية.”
من خلال مركزة جميع إشارات الكاميرات في مركز IBC دالاس وتوزيع عبء العمل هناك، يمكننا جمع أفضل المحترفين في العالم تحت سقف واحد. سيتمكنون من التعامل بسلاسة مع مباريات متعددة في وقت واحد، مما يحسن الميزانية مع ضمان جودة بث متسقة.
“عندما تعود إلى المنزل، وتشغل التلفاز وتستمتع بمباراة مثيرة في كأس العالم، يصعب عليك تخيل آلاف الأشخاص الذين يعملون بصمت خلف الكواليس. إنهم لا يعملون فقط في الملاعب، بل بشكل خاص في مركز البث الدولي هذا، الذي يُعتبر القلب النابض الذي ينقل كأس العالم إلى العالم”، هذا ما صرّح به رئيس الفيفا جياني إنفانتينو.
بحسب رئيس الفيفا، فإن كأس العالم 2026 يرسي معياراً جديداً كلياً في صناعة البث الرياضي. ويُعدّ معرض IBC دالاس خير دليل على كيف ساهمت التكنولوجيا الحديثة في الارتقاء بكل جانب عاطفي من جوانب اللعبة الجميلة وربطه بمليارات المشاهدين.
المصدر:

