خلال مئة دقيقة كاملة من مباراة نصف النهائي الثانية (بما في ذلك الوقت بدل الضائع)، لم يسدد ميسي سوى تسديدة واحدة على مرمى إنجلترا، وحتى تلك التسديدة لم تُشكل أي خطورة على بيكفورد. راقب لاعبو إنجلترا ميسي باستمرار، مما صعّب عليه التنسيق مع زملائه ومنعه من اختراق دفاعات الخصم في عدة مناسبات. لكن عندما انتقل إلى الجناح الأيمن ليُفسح المجال لزملائه – وهو أمر ربما لم يلاحظه توماس توخيل ولم يُصححه – فوجئوا باكتشاف أن قوة ميسي لا تكمن فقط في تسجيل الأهداف (حيث سجل ثمانية أهداف حتى الآن)، بل أيضاً في صناعة الأهداف.
مرر الكرة الأولى إلى إنزو فرنانديز الذي سدد تسديدة صاروخية عادلت النتيجة للأرجنتين إلى 1-1 في الدقيقة 85. ثم مرر عرضية بقدمه اليمنى، التي لطالما اعتُبرت قدم ميسي الأضعف – وهو ما ربما كان توماس توخيل يعتقده أيضاً – لتصل الكرة إلى رأس لاوتارو مارتينيز في الدقيقة 90+2، وهزت شباك بيكفورد للمرة الثانية. انكسرت قلوب الإنجليز، وانفجرت المدرجات الأرجنتينية فرحاً.
مرة أخرى، حققت الأرجنتين عودةً رائعة، وأصبح ميسي بطل الأمة بأسرها. لم يكن ميسي بحاجة للتسجيل، لكنه كان بلا شك أفضل لاعب. تأثيره على المباراة يتحدث عن نفسه. عندما كان الفريق متأخرًا حتى الدقيقة 84، حافظ على هدوئه، مسيطرًا على الكرة ومنسقًا مع زملائه. حاول بيلينجهام استفزازه ودفعه، لكنه لم يفقد أعصابه؛ نهض وثابر جنبًا إلى جنب مع زملائه.
انتقاله إلى الجناح الأيمن لا يعني أنه معزول أو عالق في مكانه؛ بل على العكس، فهو يفسح المجال لزملائه ويخلق لحظات حاسمة في المباراة. في التاسعة والثلاثين من عمره، وهو سن اعتزال لاعبي كرة القدم، لا يزال يتألق بأسلوبه الخاص دون الحاجة إلى الكثير من الشرح.
مرة أخرى، يصل إلى النهائي، وهذه هي المرة الثالثة التي يصل فيها إلى نهائي كأس العالم في مسيرة كروية حافلة بالإنجازات، وهو إنجاز لم يسبقه إليه سوى كافو (في نسخ 1994 و1998 و2002). ميسي، أعظم لاعب في تاريخ كأس العالم، يحلم الآن بكأس أخرى، لقب يحمل أهمية بالغة للأرجنتين. سيكون هذا اللقب الثاني له على التوالي في كأس العالم، والثاني للأرجنتين على التوالي، والرابع في تاريخها، ليعادل بذلك الرقم القياسي لأكبر عدد من مرات الدفاع الناجح عن لقب كأس العالم، والذي يحمله كل من إيطاليا والبرازيل .
لكن لتحقيق هذا الإنجاز، سيتعين عليه قيادة زملائه للفوز على إسبانيا في مباراة ينتظرها العالم أجمع. وفي خضم هذه المعركة، توجد معركة أصغر: اليوم الذي سيواجه فيه خليفته في برشلونة، لامين يامال. هذه هي روعة كرة القدم، فالأحلام تتحقق في النهاية.
لم يكن ليمال وزملاؤه ليشهدوا المواجهة المرتقبة بين ميسي ورونالدو على قمة كرة القدم العالمية. لكن كرة القدم عوضت ذلك بمنافسة شرسة بين ميسي ويامال، أشبه بمنافسة بين عم وابن أخ. لم يسبق أن جمعت نهائيات كأس العالم بين بطل العالم وبطل أوروبا. وكانت هذه آخر بطولة كأس عالم لميسي، وأول نهائي كأس عالم ليمال، وكان عمره آنذاك 19 عامًا.
مرت سبع مباريات، وهو نفس عدد المباريات التي لعبها ميسي مع الأرجنتين عندما فازوا بالبطولة في قطر شتاء عام 2022، مع عدد أقل من الأهداف والتمريرات الحاسمة (7 أهداف، 3 تمريرات حاسمة، أقل بواحدة مما هو عليه الآن)، ولكن لا تزال هناك مباراة واحدة متبقية، ضد خصم أكثر عنادًا وذكاءً، مما يشكل عقبة أكبر يجب التغلب عليها.
كانت تلك المباراة بمثابة رقصة التانغو الأخيرة لميسي على مسرح كأس العالم.
المصدر:
