لم يسبق في تاريخ كأس العالم أن أحدث لاعب هجومي يبلغ من العمر 39 عامًا تأثيرًا مذهلاً مثل تأثير ليونيل ميسي . ففي نصف نهائي كأس العالم 2026، وبينما كانت الأرجنتين متأخرة أمام إنجلترا، تألق ميسي في اللحظة المناسبة بتمريرتين حاسمتين رائعتين.
في الدقيقة 86، مرر قائد منتخب الأرجنتين الكرة إلى إنزو فرنانديز، الذي أطلق تسديدة صاروخية بعيدة المدى ليُعادل النتيجة. وبعد دقائق معدودة، صنع النجم البالغ من العمر 39 عامًا هدف الفوز للاوتارو مارتينيز.
بعد مشاهدة تألق ميسي في كل مباراة من مباريات كأس العالم ، صرخت صحيفة التلغراف البريطانية قائلة: “لم تكن كرة القدم للمشي بهذه الروعة من قبل”.
ما مدى فعالية مشية ميسي؟
كما هو الحال في جميع مبارياته في بطولة هذا العام، أمضى ميسي معظم وقته في المشي. وشكّل هذا النوع من الحركة 63% من إجمالي نشاطه في كأس العالم، متجاوزاً بذلك نسبة أي جناح أو لاعب وسط آخر في البطولة.
لكن هذه الخطوات المريحة لا تزال تُصنّف ضمن الأنشطة الشاقة، إذ يقضي ميسي 25% إضافية من وقت المباراة واقفًا بلا حراك. وفي بعض الأحيان، بنسبة 8.6% تحديدًا، يتحول المهاجم إلى الركض البطيء، وهي نسبة أقل بكثير من متوسط الدوري البالغ 23%.
| لم يقطع أي لاعب هجومي في كأس العالم مسافة أطول من ميسي. الصورة: ذا أثليتيك |
يشير موقع “ذا أثليتيك” إلى أنه من السهل إلقاء اللوم في ذلك على عبء التقدم في السن، عندما يقوم لاعب يبلغ من العمر 39 عامًا بإدارة جسده بعناية، والحفاظ على طاقته للحظات الحاسمة.
في الواقع، لطالما كان المشي المريح جزءًا من أسلوب لعب ميسي. ففي عام 2024، صرّح لموقع Clank Media أنه عندما طُلب منه القيام بتمارين الجري أثناء لعبه مع فريق نيولز أولد بويز في الأرجنتين، كان “يختبئ غالبًا خلف شجرة”.
لكن وراء هذا الهدوء الظاهري يكمن أداءٌ مذهل. يحتل ميسي المركز الثالث في عدد اللمسات في الثلث الهجومي الأخير من الملعب، والثالث في الدوري من حيث عدد الفرص الخطيرة التي صنعها برصيد 15 فرصة، ويتصدر، إلى جانب كيليان مبابي ، سباق الحذاء الذهبي برصيد 8 أهداف.
بالإضافة إلى ذلك، لم يقم أي لاعب في كأس العالم 2026 بتمريرات أكثر خطورة (49 مرة) أو خلق فرصًا أكثر (20) من النجم الأرجنتيني.
“يبدو وكأنه يتجول فقط، اللاعب الأقل ركضاً في الدوري الإسباني. لكن يا إلهي، عندما تصل الكرة إلى قدميه، يكون لديه صورة كاملة وفورية بالأشعة السينية لمن يقف أين”، هكذا وصف بيب غوارديولا أسلوب مشي ميسي على أرض الملعب.
بالطبع، كانت هناك أوقات اضطر فيها ميسي إلى زيادة سرعته. ففي مواجهة دفاع إنجلترا المتين، ركض “البرغوث” مسافة 8.38 كيلومتر، وهي أطول مسافة له في البطولة حتى الآن، ولعب كرة القدم كما كان يفعل في شبابه.
كان يستلم الكرة باستمرار ويراوغ خصومه مرارًا وتكرارًا، مشهدٌ يُذكّر بذروة تألق ميسي. وعندما تراجعت سرعته، عوض ذلك بقدرته على قراءة مجريات اللعب، واختيار موقعه، واستخدام كلتا قدميه بدقة متناهية.
لماذا يتمتع ميسي بهذه الكفاءة في المشي؟
قد تبدو جولات ميسي المريحة على أرض الملعب علامة على التشتت، لكن علماء النفس الرياضي لديهم وجهة نظر مختلفة.
![]() |
| المنطقة المفضلة لميسي للمشي على أرض الملعب عندما يكون فريقه بصدد بناء الهجمة. الصورة: ذا أثليتيك |
ما يبدو كسلاً هو في الواقع حيلة نفسية مثبتة علمياً تعزز الإبداع وترفع الأداء إلى أقصى حد. وهذه “أداة” يمكن حتى لمن لا يمارسون الرياضة محاكاتها.
في مجلة ساينتفك أمريكان ، استعرض إريك زيلمر، وهو عالم نفس رياضي ومدير المختبر في جامعة دريكسل، سلسلة من الاستراتيجيات النفسية التي لاحظها في كأس العالم هذا.
إنها مقالة شيقة لعشاق كرة القدم الراغبين في معرفة كيف يحافظ نجوم مثل كيليان مبابي وإيرلينغ هالاند على هدوئهم تحت الضغط، أو كيف يتخذ الحكام قراراتهم الحاسمة. مع ذلك، بالنسبة لرجال الأعمال والباحثين عن تحسين أدائهم الشخصي، يُعد تحليل زيلمر للحظات “الانفصال” الظاهرية لميسي خلال المباريات الجزء الأكثر قيمة.
وقال زيلمر: “عندما فحص الباحثون نظرة ميسي، وجدوا أن عينيه لم تكن موجهة نحو الكرة في كثير من الأحيان”.
بحسب هذا الأخصائي النفسي، تُظهر أدلة جديدة من تقنية التصوير العصبي أن الدماغ لا يكون في حالة راحة على الإطلاق خلال لحظات الشرود الذهني، بل يقوم ببساطة بمعالجة المعلومات بطريقة مختلفة.
عندما يبدو ميسي مشتت الذهن، فإنه في الواقع يسمح لنظره بالتجول بحرية، مما يساعد عقله على التراجع ومراقبة المباراة من منظور أوسع وأكثر شمولاً.
![]() |
| بحسب علماء الأعصاب، فإنّ تلك اللحظات التي يبدو فيها ميسي مشتت الذهن هي طريقته للسماح لنظره بالتجول بحرية، مما يساعد دماغه على التراجع قليلاً ومراقبة المباراة من منظور أوسع وأكثر شمولاً. الصورة: ألامي. |
أتاحت له هذه “الاستراحة” المكثفة فرصةً للاسترخاء، مما مكّنه من الحفاظ على تركيز عالٍ خلال اللحظات الحاسمة طوال فترة العمل المكثف التي تجاوزت التسعين دقيقة. كما ساعدته على استيعاب المزيد من المعلومات واكتشاف الثغرات التي غابت عن الآخرين.
كتب زيلمر: “يوفر الانجراف الذهني المتحكم فيه فوائد هائلة في الرياضات عالية الأداء”، قبل أن يختتم بحقيقة واضحة: ليونيل ميسي يمتلك مهارات معرفية عالمية المستوى.
بحسب ميثو ستوروني، عالم الأعصاب من جامعة كامبريدج ومؤلف كتاب الكفاءة الفائقة، فإن هذا ليس من قبيل الصدفة على الإطلاق.
يُظهر الدماغ البشري مفارقة مثيرة للاهتمام: فبذل المزيد من الجهد لا يؤدي بالضرورة إلى أفكار أفضل. وعلى العكس من ذلك، غالباً ما تنشأ أفكار رائعة عندما نخفف من تركيزنا ونسترخي، مما يسمح للدماغ بإقامة روابط غير متوقعة.
“المشي يبقي انتباهك متنقلاً باستمرار لأن المشهد يتغير، مما يمنعك من تثبيت نظرك على شيء واحد. ومن هناك، ينجذب انتباهك إلى الداخل، مستكشفاً مشاكلك ومحاولاً حلها من وجهات نظر مختلفة”، يوضح ستوروني.
المصدر:


