أسرار مسرب الإسطبل الصليب العملاق الذي حيّر الفاتحين وحفظته رمال سيوة

أسرار مسرب الإسطبل الصليب العملاق الذي حيّر الفاتحين وحفظته رمال سيوة

الصليب , تخيل أن تقف في قلب بقعة نائية بالصحراء، لتقع عيناك على هندسة غامضة محفورة في الأرض: صليب ضخم تتساوى أضلاعه الأربعة بطول 9 أمتار وعرض متر كامل لكل ضلع! هذا المشهد المهيب ليس لقطة من فيلم سينمائي، بل هو واقع حي يمتزج فيه الغموض بالتاريخ في منطقة “بئر الكنائس” على طريق مطروح – سيوة. طرحت هذه البقعة المنسية تساؤلات مثيرة منذ بدء استكشافها عام 2012م:

كيف يبدو هذا الصليب من السماء؟ وما الذي يفعله بئر روماني قديم بجوار بقايا جدران وحجارة متناثرة؟ هل كانت هذه الأرض يوماً مدينة عامرة بالبشر أم معقلاً لرهبان فروا بإيمانهم إلى أقاصي الصحراء؟

 

 الصليب العملاق
الصليب العملاق

درب الإسكندر وحصن لغز “ابن نصير”: تاريخ يمتد لآلاف السنين

تقع منطقة “بئر الكنائس” عند الكيلو 57 على جانبي طريق مطروح – سيوة، وهو ذاته الطريق الأثري القديم المعروف بـ “درب المحصص”، أو كما يطلق عليه البدو “مسرب الإسطبل”. هذا الممر التاريخي هو الذي سلكه القائد الإغريقي الشهير الإسكندر الأكبر في رحلته الأسطورية إلى واحة سيوة عام 332 ق.م. يتكون الموقع من تلين أثريين (علمين) تفصل بينهما مسافة 200 متر، وتؤكد الشواهد والأساسات الجدارية الضخمة أن المكان لم يكن مجرد استراحة عابرة، بل مدينة بيزنطية متكاملة ومحصنة بأسوار منيعة وأبراج دفاعية مستديرة، يجاوزها دير مسيحي بكافة ملحقاته، مدعوماً ببئر روماني عبقري لتخزين مياه الأمطار.

هذه الضخامة تفسر القصة العجيبة التي وردت في كتاب “خريدة العجائب” لابن الوردي؛ إذ يروي أن القائد الإسلامي موسى بن نصير أثناء زحفه لفتح واحة سيوة (التي كانت تسمى “سنترية”) في عام 91 هجرية، وجد في طريقه هذه المدينة الحصينة بأسوارها العالية وبوابتها الحديدية الضخمة. وحين حاصرها لثلاثة أيام، حدث أمر غريب؛ فكلما تسلق أحد جنوده السور ليرى ما بداخلها، يشهق شهقة عالية ويسقط ميتاً داخل الحصن! وأمام هذا الغموض والطلسم المحير، قرر ابن نصير رفع الحصار والتخلي عن فتحها، لتطوي الصحراء سرها بين رمالها.

 

 الصليب العملاق الذي حيّر الفاتحين الصليب العملاق الذي حيّر الفاتحين
الصليب-العملاق-الذي-حيّر-الفاتحين

شواهد النور: كيف دخلت المسيحية إلى واحة آمون؟

إذا كان التاريخ قد وثق بدقة دخول الإسلام إلى سيوة مع حملة موسى بن نصير، فإن تاريخ دخول المسيحية إلى الواحة ظل محاطاً بالكثير من الظلال، لولا أن الآثار المكتشفة من شرق الواحة إلى غربها قدمت أدلة دامغة على وجود مسيحي قوي قديم:

موقع بلاد الروم: يقع غرب الواحة في منطقة المراقي، حيث يشرف مبنى شامخ من الطوب اللبن بجوار مقابر يونانية رومانية على المكان. ووصفه العالم الأثري الشهير د. أحمد فخري بـ “كنيسة بلاد الروم”. وترتبط المنطقة برحلة الأنبا صموئيل القلموني الذي اختطفه الأمازيغ (المازاكس) من ديره بالفيوم واقتيد أسيراً إلى سيوة قبل أن يتمكن من العودة.

منطقتي العواف وسلام: تقعان شرق سيوة وتضمان نقوشاً ودفنات مسيحية أثرية تبرهن على انتشار العقيدة بالمنطقة.

موقع بئر الكنائس ودير الزجاج: يرجح الباحثون أن أطلال الحجر الجيري الضخمة في هذا الموقع تعود لأحد الأديرة القديمة. وهناك فرضية علمية قوية تشير إلى أن هذا الموقع هو نفسه “دير الزجاج” الأسطوري، أحد أقدم أديرة العالم (يعود للقرن الثالث الميلادي)، والذي تضاربت الروايات التاريخية حول مكانه الفعلي.

 

 الصليب العملاق الذي حيّر الفاتحين الصليب العملاق الذي حيّر الفاتحين
الصليب العملاق الذي حيّر الفاتحين

محطات الأمان: الساحل الشمالي مهداً للرهبنة العالمية

يكشف الفخار البيزنطي المحلي المتناثر بالموقع، وأفران الحرق المكتشفة في جزئه الشرقي، أن المنطقة عاشت فترة ازدهار صناعي وديني فريد. إن لجوء الأساقفة والرهبان إلى هذه الصحاري النائية كان نتيجة طبيعية لعهود الاضطهاد الروماني العنيف للأقباط في مصر، مما دفعهم للفرار بدينهم وتحويل البراري إلى واحات للعبادة والصلاة.

وتثبت الاكتشافات الأثرية المتلاحقة على طول الساحل الشمالي الغربي لمصر عظمة الدور الذي لعبته هذه المنطقة كمهد للرهبنة في العالم. فالكنائس الأثرية تنتشر على طول الساحل بفارق مسافات هندسية دقيقة تبلغ حوالي 35 كيلومتراً بين الكنيسة والأخرى؛ وهي تحديداً المسافة التي يستطيع الإنسان العادي قطعها سيراً على الأقدام في يوم واحد. هذا التوزيع الجغرافي الذكي جعل من كنائس شهيرة مثل (السواني البحرية، ماريا الأثرية، القصابة البحرية، رأس الكنائس بالحكمة، ومارينا وأبو مينا) شبكة محطات أمان متكاملة، تقدم الماء والمأوى والحماية للمسافرين والرهبان الفارين عبر التاريخ.