البطل المطلق
سريعٌ وسلسٌ في آنٍ واحد، محكمٌ، مُلهمٌ وباردٌ وخطير. هذه هي المهارة الفائقة والبراعة التي يتمتع بها لاعبو التيكي تاكا: السيطرة على الكرة، والسيطرة على مجريات المباراة، والسيطرة على المشاعر. شهد الفرنسيون والعالم أجمع كيف سحق المنتخب الفرنسي نظيره الإسباني وجعله عاجزًا. وعلقت الآمال على الأرجنتين المخضرمة والماكرة، بقيادة ميسي، لاختراق هذا الجيش الجرار. انتظر الجميع. كان الأمل هشًا للغاية؛ فقد سيطرت حركة المنتخب الإسباني بالكرة وبدونها، بتشكيلاته وخطوطه المتماسكة، سيطرةً تامةً على المباراة، وأخمدت أي محاولة هجومية منذ بدايتها.
| لحظة احتفال لاعبي المنتخب الإسباني بهدف فيران توريس في فوزهم 1-0 على الأرجنتين. الصورة: أسوشيتد برس |
في مواجهة قدرات إسبانيا المتكاملة، كان تسجيل الهدف الأول يعني هزيمة محققة. كان المدرب سكالوني محقًا في خفض خط دفاع الفريق وتطبيق دفاع متعدد الطبقات. استخدم منتخب الرأس الأخضر الصاعد حديثًا هذه الاستراتيجية لإجبار إسبانيا على التعادل السلبي في دور المجموعات. وعلى الرغم من وضعهم الحرج، تمكنت الأرجنتين من الحفاظ على نظافة شباكها في الوقت الأصلي وإجبار المباراة على التمديد. ورغم عزيمتهم الراسخة وبذلهم قصارى جهدهم، حدث ما كان متوقعًا: في الدقيقة 106، سمحت رأسية من زميلهم لفيران توريس بتسديد كرة قوية في الشباك بسهولة. ثم قلب ميسي مجرى المباراة بتسديدته الأخيرة، لكنها اصطدمت بوجه ميرينو.
انتهى الانتقال بين الأجيال، تاركاً وراءه فخر ميسي والأرجنتين والتحدي الذي لا مثيل له من إسبانيا.
كأس العالم بمستوى جديد
قد يعجبك أيضاً
في المباراة النهائية الملحمية على ملعب ميتلايف، لم يشهد الجمهور فقط معركة شرسة ومتوترة بين أقوى فريقين في كرة القدم العالمية ، بل شاهدوا أيضاً العديد من جوانب كأس العالم الرائعة التي حطمت الأرقام القياسية على قارة أمريكا الشمالية الشاسعة.
رغم عدم تمكنهم من تحقيق معجزة، إلا أن فخر المشاركة في كأس العالم قد فاض وتردد صداه في أرجاء دول أقل شهرة في أقصى بقاع الأرض، وكانت الرأس الأخضر خير مثال على ذلك. فقد خرج الناس في هذه الدولة الجزيرة، وباراغواي في أمريكا الجنوبية، والعديد من الدول الأخرى التي شاركت في كأس العالم، إلى الشوارع للترحيب بمنتخباتهم الوطنية كأبطال. وفي شبه الجزيرة الإسكندنافية في شمال أوروبا، دوّت رقصة التجديف الفايكنجية النابضة بالحياة على طول الطرق الريفية…
هناك فرح في بعض الأماكن، وحزن في أخرى. فبعد فشلها في تلبية التوقعات العالية، أو حتى تعرضها لهزائم مبكرة غير متوقعة، اضطرت هذه الدول، التي تتمتع بإمكانيات هائلة وطموح كبير وتاريخ عريق في كأس العالم، إلى إعادة تقييم مسارات تطورها، وستستمر في ذلك. هل بلغت فرنسا ذروتها؟ هل ما زالت إنجلترا مترددة؟ هل تحتاج ألمانيا والبرازيل وإيطاليا وهولندا وبلجيكا… إلى البدء من جديد؟ لا يقتصر الأمر على شعوبها فحسب، بل يؤمن عالم كرة القدم بأسره بأن هذه القوى ستعود يوماً ما لتتربع على عرش القمة.
![]() |
| لاعبو المنتخب الإسباني يرفعون كأس العالم 2026. الصورة: أسوشيتد برس |
هل يمكن أن يظل السوق مزدحماً بدون النجم الرئيسي؟ كلا. بعد خروج منتخبات الدولة المضيفة وأسماء لامعة مثل هولندا والبرازيل والمكسيك والبرتغال، انخفضت أعداد الجماهير بشكل ملحوظ، وبالتالي انخفضت الإيرادات أيضاً. لكن خبراء اقتصاد كأس العالم كانوا قد وجدوا الحل. تم حل المشكلة التجارية بتطبيق آلية تسعير مرنة للتذاكر، لأول مرة، بناءً على طلب السوق. كما كانت هذه المرة الأولى التي يتعرف فيها العالم على ما يُسمى “اقتصاد النجوم”، الذي يستغل أموال الأثرياء لحضور فعاليات مميزة في مناطق المشجعين، حيث يمكنهم رؤية النجوم وسماعهم عن قرب. لهذا السبب، قبل مباراة الميدالية البرونزية والمباراة النهائية، حضر ميسي، إلى جانب مبابي وبيكهام ورونالدو دي ليما ورونالدينيو والعديد من نجوم الرياضة والترفيه الآخرين، مهرجان المشجعين، مما خلق جواً حماسياً وأثار ضجة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي.
يستحيل حصر جميع الأساليب التجارية المُستخدمة في الولايات المتحدة والعالم لتحفيز وتلبية رغبات كلٍ من عامة الناس والأثرياء في كأس العالم هذا. من المؤكد أن إيرادات الفيفا من بطولة هذا العام بلغت ما يُقدّر بـ 15 مليار دولار. ورغم عدم قدرة هذه البطولات على منافسة كأس العالم من الناحية المالية، إلا أنه سيتعين على بطولات كأس العالم القادمة، وغيرها من الأحداث الرياضية والترفيهية الكبرى حول العالم، أن تستفيد من هذا التوجه في عصر التسويق.
ترتفع المنطقة المنخفضة.
مع اختتام كأس العالم، تستعد بطولة أصغر، كأس آسيان 2026، للانطلاق في جنوب شرق آسيا، مما يُعزز طموحات منتخبات المنطقة الكروية للارتقاء تدريجيًا نحو كأس العالم في المستقبل البعيد. تتوافق هذه البطولات مع توجهات الفيفا وتحظى بتشجيعها. حققت كرة القدم الفيتنامية تقدمًا ملحوظًا مؤخرًا، وقد ساهمت تجارب العديد من الدول الرائدة، إلى جانب لوائح الفيفا الأكثر انفتاحًا، في توسيع آفاقنا وتطوير أساليبنا. بعد النتائج غير الموفقة التي حققتها إندونيسيا في استخدام العديد من اللاعبين الأجانب من أوروبا، واصلت كرة القدم الإندونيسية، إلى جانب تايلاند والفلبين وكمبوديا، عملية التجنيس.
دخل التنافس على الصدارة في المستويات الأدنى مرحلة جديدة. فبالاستناد إلى نظام تدريب شبابي منظم وفعال، فتحت كرة القدم الفيتنامية أبوابها أمام اللاعبين الفيتناميين المغتربين، وإن كان ذلك بأعداد قليلة. ومؤخراً، أثبتت تجربة إشراك اللاعبين الأجانب المجنسين، وفقاً للوائح، فعاليتها وحظيت بدعم مجتمعي. هذا الانفتاح الحذر يحمل في طياته آفاقاً واعدة. وينصب التركيز حالياً على البطولات الإقليمية، ثم كأس آسيا 2027، التي ستحدد مستقبل كرة القدم الفيتنامية. فحتى لو توسعت بطولة كأس العالم لتشمل 64 فريقاً في عام 2030، لن يكون تأهل كرة القدم الفيتنامية سهلاً إذا بقيت خارج قائمة أفضل 10 فرق في آسيا. هذا التوجه الواضح يضمن تقدماً مطرداً وتطوراً مستمراً.
المصدر:

