في كرة القدم، غالباً ما يُحدد الفريق الفائز اتجاهات المستقبل. وسرعان ما يصبح نجاح البطل نموذجاً يحتذى به، خاصةً عندما يأتي هذا اللقب من أكبر محفل رياضي مثل كأس العالم .
إسبانيا نموذجٌ يُحتذى به. فريق المدرب لويس دي لا فوينتي يلعب بأسلوب هجومي، ويسيطر على مجريات المباراة، ويحظى بإشادة واسعة من الجماهير المحايدة. حتى أن توني كروس صرّح بعد فوزهم على الأرجنتين في نهائي كأس العالم 2026: “لقد انتصرت كرة القدم”.
ومع ذلك، فإن تقليد إسبانيا قد يكون خيارًا خطيرًا للأندية الكبيرة، خاصة عندما يسيئون فهم ما ساعد ذلك الفريق على الفوز بالبطولة.
فخ النسخ
شهد تاريخ كرة القدم فشل العديد من الفرق لأنها نسخت نظامًا ناجحًا دون فهم جوهره.
في عشرينيات القرن الماضي، برز هربرت تشابمان بتشكيلة WM في أرسنال . منح نظام 3-2-2-3 الفريق لاعبًا دفاعيًا إضافيًا مقارنةً بتشكيلة 2-3-5 الشائعة آنذاك. ومع فوز أرسنال بالألقاب باستمرار، سارعت العديد من الفرق إلى تبني هذه التشكيلة.
مع ذلك، قام معظمهم ببساطة بتقليد تشكيلة تشابمان دون مرونته التكتيكية. ونتيجة لذلك، انتشرت كرة القدم السلبية، وأُلقي اللوم على تشابمان، رغم أن فريقه أرسنال لم يلعب بأسلوب دفاعي. سجل الفريق اللندني 127 هدفًا في موسم 1930/31 الذي تُوّج فيه بالبطولة.
| لم تفز إسبانيا بالبطولة بمجرد السيطرة على الاستحواذ. |
ظهر سيناريو مشابه بعد نجاح بيب غوارديولا في برشلونة. حاول العديد من المدربين محاكاة أسلوب اللعب القائم على الاستحواذ، لكنهم حوّلوا التمرير إلى غاية في حد ذاته، بدلاً من كونه أداة لتحريك الكرة للأمام وخلق الفرص.
بعد صعود بلاكبول إلى الدوري الإنجليزي الممتاز عام ٢٠١٠، صرّح المدرب إيان هولواي برغبته في أن يلعب الفريق على غرار إسبانيا. قدّم بلاكبول أداءً مميزًا في النصف الأول من الموسم، لكن أسلوب لعبهم اعتمد بشكل مفرط على مهارة تشارلي آدم في التمرير. لم يحققوا سوى ثلاثة انتصارات بعد عيد الميلاد، وهبطوا في نهاية المطاف إلى الدرجة الأدنى.
أولى ديفيد مويس اهتماماً بالغاً بالتمريرات خلال فترة تدريبه لمانشستر يونايتد. ووفقاً لريو فرديناند، كان المدرب الاسكتلندي يحدد هدفاً لفريقه يتمثل في 600 تمريرة في المباراة الواحدة. لكن المدافع لم يوافق على ذلك قائلاً: “لا يهمني، أفضل تسجيل 5 أهداف من 10 تمريرات.”
قد يعجبك أيضاً
كما اعترض غوارديولا مراراً وتكراراً على التفسير المبسط لأسلوب لعبه. ويجادل بأن أسلوب التيكي تاكا، بمعنى تمرير الكرة لمجرد الاحتفاظ بالاستحواذ دون أي هدف محدد، لا معنى له.
هذا سوء فهم شائع أيضاً في إسبانيا. لم يفز فريق دي لا فوينتي بكأس العالم بمجرد تمرير الكرة كثيراً.
تكمن القوة الحقيقية في الضغط.
يُعد التمرير جزءًا من أسلوب لعب إسبانيا، لكن الضغط هو جانب أكثر جوهرية.
استحوذت تركيا على الكرة بنسبة أعلى من بطل البطولة، لكنها مع ذلك خرجت من دور المجموعات. حتى في فوزها الساحق على فرنسا في نصف النهائي، لم تتجاوز نسبة استحواذ إسبانيا على الكرة 51%.
لم يكن الفارق في عدد التمريرات، بل في دقة هذه التمريرات وهدفها. فعندما لم تكن الكرة بحوزتهم، ضغطت إسبانيا فوراً لاستعادة السيطرة.
لخص رودري ذات مرة استراتيجية الفريق قائلاً: “لا تدع الخصم يلعب، واجعل المباراة تعود إلى منطقتنا”. يجب أن تكون تلك المنطقة بعيدة قدر الإمكان عن مرمى أوناي سيمون.
| إن تقليد الأبطال ينطوي دائماً على مخاطر كامنة. |
تعتمد إسبانيا على خط دفاع متقدم للغاية في كأس العالم 2026، حيث يمتد خط دفاعها في كثير من الأحيان إلى أكثر من 46 متراً. وهذا يسمح لها بإبعاد معظم مجريات اللعب عن مرماها والحد من المساحات المتاحة للهجمات المرتدة.
عندما يفقدون الكرة، يضغط المنتخب الإسباني فوراً. ويتصدرون البطولة في عدد مرات استعادة الكرة في منطقة الهجوم، وبالتالي يعيدون فرض الضغط بسرعة قبل أن تتاح للخصم فرصة بناء الهجمة.
لذا، يتعين على الأندية الراغبة في محاكاة إسبانيا التركيز على كيفية أداء البطل بدون الكرة، بدلاً من مجرد النظر إلى تداول الكرة. لم يحقق أي فريق في الدوري الإنجليزي الممتاز الموسم الماضي نفس مستوى الضغط العالي الذي قدمته إسبانيا في كأس العالم.
لكن أسلوب لعب دي لا فوينتي ليس حلاً لكل مباراة. فقد استفادت إسبانيا من ضغط منتخبات أوروغواي والنمسا والبرتغال وبلجيكا وفرنسا الهجومي، مما أدى إلى ثغرات في دفاعاتها.
يبرز التحدي الأكبر عندما يلجأ الخصم إلى الدفاع المتكتل. فقد نظّم منتخب الرأس الأخضر دفاعًا محكمًا، وأجبر إسبانيا على التعادل السلبي. وهذا النوع من المباريات هو ما تواجهه الأندية الكبرى غالبًا في دورياتها المحلية.
اتبعت الأرجنتين نهجًا مشابهًا في المباراة النهائية، مما أدى إلى تمديد الوقت الأصلي والإضافي. وازدادت خطورة إسبانيا مع دخول نيكو ويليامز، الذي تعاون مع لامين يامال لاختراق دفاع الخصم. ثم مرر ويليامز كرة حاسمة إلى فيران توريس ليسجل هدف الفوز.
تُظهر هذه التفاصيل أن فوز إسبانيا لم يكن نتيجةً لنظام مُحدد مسبقاً. فقد كان دي لا فوينتي لا يزال بحاجة إلى لاعبين قادرين على إحداث الفارق لكسر الجمود.
أشار كارلو أنشيلوتي ذات مرة إلى أن المحللين مروا بفترة من التركيز المفرط على إحصائيات الاستحواذ لأنها مقياس سهل القياس. ومع ذلك، فإن زيادة الاستحواذ لا تعني بالضرورة أداءً أفضل، وبالتأكيد لا تضمن الفوز.
هذا هو الدرس الأهم من بطولة إسبانيا. يمكن للأندية أن تتعلم من أسلوب الضغط الذي يتبعه الأبطال، وتنظيم تشكيلاتهم، والسيطرة على المساحات، لكنها ستفشل إذا حاولت فقط زيادة عدد التمريرات أو الاستحواذ على الكرة.
إن تقليد السطح أسهل دائمًا من فهم الجوهر. ويُظهر التاريخ أن النسخ السطحية غالبًا ما تُحوّل فكرة ناجحة إلى لعبة كرة قدم بطيئة، جامدة، وغير ضارة.
المصدر:


