جبهة الذكاء الاصطناعي: ثلاثة أبعاد للمنافسة الأمريكية الصينية

جبهة الذكاء الاصطناعي: ثلاثة أبعاد للمنافسة الأمريكية الصينية
جبهة الذكاء الاصطناعي: ثلاثة أبعاد للمنافسة الأمريكية الصينية
على الرغم من استمرار تمتع الولايات المتحدة بالعديد من المزايا ولعبها دورًا رائدًا في المراحل الأولى لتطوير الذكاء الاصطناعي، إلا أن المشهد قد تغير الآن حيث تجاوزت القوة الإجمالية للصين بكثير قوة طفرة الإنترنت. (المصدر: صورة تم إنشاؤها باستخدام الذكاء الاصطناعي)

منذ إنشاء شبكة الويب العالمية في عام 1990، دخل الإنترنت فترة من التطور السريع على نطاق عالمي.

بفضل مزاياها التكنولوجية ومواردها الرأسمالية وبنيتها التحتية، سرعان ما تبوأت الولايات المتحدة الصدارة في هذا المجال. وقد بادرت الولايات المتحدة بتطوير بروتوكولات الإنترنت الأساسية مثل TCP/IP ونظام أسماء النطاقات (DNS)، بالإضافة إلى العديد من معايير وآليات إدارة الشبكات.

إن نمو شركات التكنولوجيا مثل جوجل، وأبل ، ومايكروسوفت، وأمازون، وميتا، يواصل ترسيخ الدور المحوري لواشنطن في بناء النظام البيئي العالمي للإنترنت من خلال منظمات مثل فرقة العمل الفنية للإنترنت (IETF) ومؤسسة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة (ICANN).

ومنذ ذلك الحين، وسعت الولايات المتحدة نفوذها تدريجياً في صياغة قواعد الاقتصاد الرقمي، وإدارة البيانات، والأمن السيبراني على مدى العقود الثلاثة الماضية.

يشهد العالم حاليًا دخوله عصر الذكاء الاصطناعي، حيث تُعتبر التكنولوجيا عاملًا حاسمًا في القوة الاقتصادية والعسكرية والنفوذ الدولي للقوى الكبرى. وكما هو الحال في عصر الإنترنت، لا تزال الولايات المتحدة تتمتع بالعديد من المزايا وتلعب دورًا رائدًا في المراحل الأولى لتطوير الذكاء الاصطناعي.

إلا أن المشهد الحالي قد تغير، إذ تجاوزت قوة الصين الإجمالية بكثير قوة طفرة الإنترنت. ولذلك، لم تعد بكين ترغب في مجرد الالتزام بالقواعد، بل تسعى للمشاركة في بناء، بل وصياغة، قواعد اللعبة الجديدة في مجال الذكاء الاصطناعي. ومن هذا المنطلق، تتجلى المنافسة الأمريكية الصينية بوضوح في ثلاثة جوانب.

التنافس على الحق في تشكيل النظام البيئي للذكاء الاصطناعي.

يتمثل الجانب الأول في التنافس على الهيمنة في النظام البيئي التكنولوجي ، أو بعبارة أخرى، السباق نحو استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي الأمريكية أو الصينية على نطاق واسع عالميًا.

في المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي 2026 الذي عُقد في شنغهاي في الفترة من 17 إلى 20 يوليو، أكد الرئيس الصيني شي جين بينغ على أهمية تعزيز المصادر المفتوحة، وتوطيد التعاون الدولي، وتبادل موارد البيانات في مجال الذكاء الاصطناعي. في المقابل، تواصل الولايات المتحدة اتباع نهج رقابي محكم على التقنيات الأساسية، مثل رقائق الذكاء الاصطناعي المتطورة من إنفيديا، ونماذج المصادر المغلقة لشركتي OpenAI وAnthropic، وقدرات الحوسبة السحابية.

يساعد هذا الاختلاف الصين على بناء صورة تروج للوصول إلى الذكاء الاصطناعي بتكاليف أقل وبشروط ترخيص أكثر مرونة، مما يجذب المزيد من البلدان والشركات والمنظمات الدولية للمشاركة في النظام البيئي للذكاء الاصطناعي الذي تقوم بتطويره.

إلى جانب ذلك، هناك منافسة لتشكيل مفاهيم ومعايير الذكاء الاصطناعي . وفي المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي 2026، أكد الرئيس شي جين بينغ معارضة بكين لتوسيع مفهوم الأمن القومي لتقييد التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، وجادل بأن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يقوض الهوية الثقافية للأمم، بل يجب أن يساهم في تضييق الفجوة الرقمية بين الدول النامية.

تعتبر الصين الذكاء الاصطناعي “مصلحة عامة دولية”، وتدعو إلى المصادر المفتوحة والتعاون الدولي وتبادل البيانات. ويتناقض هذا النهج مع سياسة الولايات المتحدة المتمثلة في تشديد الرقابة على التكنولوجيا وتقييد صادرات الذكاء الاصطناعي، مما يسمح لبكين بتعزيز نفوذها تدريجياً في وضع معايير الذكاء الاصطناعي الدولية.

السباق نحو الريادة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي.

أما الجانب الثالث فهو التنافس على الحق في وضع جدول أعمال الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي.

في مؤتمر WAIC 2026، روجت الصين لإنشاء منظمة التعاون العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي (WAICO) لتعزيز التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي ضمن إطار الأمم المتحدة وتوسيع دور بكين في صياغة آليات الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي.

رغم أن الصين لم تنشر قائمة كاملة بالأعضاء المؤسسين، تشير تقارير إعلامية دولية إلى أن المنظمة تضم العديد من الدول النامية في جنوب شرق آسيا، وجنوب آسيا، وآسيا الوسطى، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية، والشرق الأوسط، وأوروبا. ويعكس هذا التكوين استراتيجية بكين في سياستها الخارجية الرامية إلى توسيع نفوذها من خلال التعاون مع الدول النامية.

في المقابل، في ديسمبر 2025، شجعت الولايات المتحدة على إنشاء مبادرة سلام السيليكون (باكس سيليكا) لحماية سلاسل إمداد الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والمعادن الاستراتيجية. وتضم هذه المبادرة في عضويتها حلفاء وشركاء مقربين لواشنطن، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا والمملكة المتحدة وإسرائيل وسنغافورة والهند والاتحاد الأوروبي وألمانيا وهولندا واليونان والأرجنتين.

يشير هذا إلى أن WAICO و Pax Silica من المرجح أن تصبحا آليتين متوازنتين، مما يعكس المنافسة الواضحة بشكل متزايد بين الولايات المتحدة والصين في تشكيل حوكمة الذكاء الاصطناعي العالمية.

باختصار، لم يعد التنافس في مجال الذكاء الاصطناعي بين واشنطن وبكين مجرد سباق في عدد النماذج أو القدرة الحاسوبية، بل يتسع ليشمل القدرة على استقطاب الدول للمشاركة في منظومة التكنولوجيا، وقبول المعايير ونماذج الحوكمة التي يقترحها كل طرف. ومن المرجح أن يصبح هذا أحد أهم جبهات التنافس الاستراتيجي بين القوتين العظميين في السنوات القادمة.

المصدر: