السيادة في مجال الأمن السيبراني

السيادة في مجال الأمن السيبراني
السيادة في مجال الأمن السيبراني

إذا لم تستطع دولة ما بناء بنية تحتية رقمية مستقلة تمامًا على الفور، فيجب أن تبدأ بسيادة الأمن السيبراني.

هذا ما أكده يوري ماكسيموف، المؤسس المشارك لمؤسسة سايبريس وشركة التقنيات الإيجابية الروسية ، في مقابلة مع مراسل وكالة الأنباء الفيتنامية (VNA) في روسيا على هامش المنتدى الاقتصادي الدولي في سانت بطرسبرغ.

تجمع شركة Cyberus بين مطوري تكنولوجيا الأمن السيبراني والشركات والحكومات لبناء نهج جديد لأمن المعلومات على مستوى الشركات والصناعة والمستوى الوطني.

أولًا، أكد يوري ماكسيموف أن التحول الرقمي سيُحسّن حياة الناس بلا شك، وقد يزيد الناتج المحلي الإجمالي أضعافًا مضاعفة. ولتحقيق ذلك، تحتاج الدولة إلى بناء بنية تحتية رقمية أساسية، وأن تكون واثقة من سيطرتها على العمليات الحيوية. وهنا تكمن المفارقة: فالعديد من الدول اليوم تتردد في التحول الرقمي تحديدًا خشية فقدان هذه السيطرة. ومع ذلك، فإن عددًا قليلًا فقط من دول العالم قادر على بناء بنية تحتية رقمية ذات سيادة كاملة بمفردها.

لذا، يرى أن وضع الخوادم المادية محلياً ضروري، ولكنه غير كافٍ. يمكن وضع الخادم في مركز بيانات وطني، ولكن إذا كانت البنية والإدارة والبرمجيات مرتبطة بمقاولين أجانب، فإن ذلك لا يوفر الأمن والسيادة المطلقة.

أدرك العالم خلال السنوات الأربع الماضية حقيقةً بالغة الأهمية، وهي أن منتجات تكنولوجيا المعلومات، رغم ما تبدو عليه من خصائص الملكية الاستهلاكية، لا تمنح في الواقع أي سيادة أو حقوق ملكية. فعندما تتوقف الأجهزة والبرامج المشتراة عن العمل فجأة، فإنها لم تعد ملكًا لك، وإنما لك فقط الحق في استخدامها مؤقتًا.

لذا، حتى لو كان الخادم موجودًا محليًا ولكن التكنولوجيا أجنبية ولها “مالكها” الخاص، فإن القانون خارج الحدود الإقليمية يمثل نقطة نفوذ محتملة. السؤال ليس عن الجهة التي تخضع لها سلطة المورّد، بل عما إذا كان من الممكن أن تخرج المعلومات عن سيطرتك.

صرح يوري ماكسيموف بأن روسيا تستثمر حاليًا بكثافة في بناء بنية تحتية موثوقة تعتمد على مكونات غير موثوقة. الفكرة بسيطة: حتى لو لم نثق بالأجهزة، أو إذا تواصل مركز بيانات مع آخر عبر الإنترنت، فإننا نخلق عزلاً تامًا يمنع تسرب المعلومات إلى الإنترنت. وحتى لو أراد المالكون استخدام المعلومات المخزنة هناك، فلن يتمكنوا من الوصول إليها أبدًا.

تتيح هذه البنية لمراكز البيانات الضخمة معالجة البيانات الحساسة، واستضافة أنظمة التصويت الإلكتروني، وتخزين الأرشيفات الرقمية لكبار الوكالات الحكومية. إنها مثالٌ على كيفية استخدامها بمستوى الموثوقية المطلوب دون الحاجة إلى إعادة ابتكار أو تصميم كل منتج في العالم.

بحسب يوري ماكسيموف، إذا لم تستطع دولة ما بناء بنية تحتية رقمية مكتفية ذاتيًا بالكامل على الفور، فعليها أن تبدأ بسيادة الأمن السيبراني. وهذا يتطلب قطاعًا يمكّن الدولة من إدارة المخاطر الرقمية، وتحديد نقاط الضعف، وبناء بنية موثوقة على عناصر غير موثوقة، والإجابة على السؤال المحوري: هل يمكن لهذا النظام أن يُلحق ضررًا غير مقبول بالدولة؟

قد يعجبك أيضاً

أوضح يوري ماكسيموف أن روسيا مستعدة هنا لمساعدة شركائها في بناء قطاع الأمن السيبراني الخاص بهم، وذلك من خلال دعمهم في تطوير قدراتهم على تدريب المتخصصين، وإنشاء الشركات وأنظمة الحماية، وابتكار الحلول، وتأسيس مجتمعاتهم المهنية. هكذا ينشأ أي قطاع، عندما يُنجز كل شيء بأيدي الناس أنفسهم. وهذا ما يُرسي الأساس لبناء اقتصاد رقمي مكتفٍ ذاتيًا حقًا.

وفي سياق التنفيذ المستمر لقانون الأرشيف لعام 2024 في فيتنام، مع التركيز القوي على التحول نحو الأرشفة الإلكترونية، أشار يوري ماكسيموف إلى أن الخطأ الرئيسي في هذا التحول هو افتراض أنه مجرد مسألة مسح ضوئي وتخزين وبحث سهلة.

في الواقع، مع التحول الرقمي، أصبحت الأرشيفات جزءًا من البنية التحتية الحيوية للدولة. ويمكن تعديل الأرشيفات الرقمية، إذا لم تُصمم بشكل جيد، أو إتلافها بشكل لا رجعة فيه، أو استبدالها، أو تشفيرها، أو نسخها، أو استخدامها للتحليل من قبل أنظمة الدولة.

بهذا المعنى، يُعدّ التخلي التام عن النسخ تهوراً. لذا، فإنّ نقطة الضعف الأولى هي المركزية. فالبنية الرقمية الحالية مصممة إلى حد كبير بحيث يمكن التحكم بجميع المستخدمين وجميع البيانات من موقع مركزي. وهذا مريح، ولكنه يخلق أيضاً نقاط ضعف جوهرية.

إذا كان هناك مركز تحكم واحد فقط، ونظام تحديث واحد، وقناة وصول خارجية واحدة، فإن الهجوم أو الفشل في هذه النقطة يمكن أن يكون له عواقب وخيمة.

ثانيًا، هناك العامل البشري. يتطلب النظام الحالي عددًا كبيرًا من المشغلين: مهندسين يقومون باستمرار بتعديل النظام وإعادة توصيله. أي خطأ يرتكبه أي منهم – سواء كان مقصودًا أم غير مقصود – قد تكون له عواقب وخيمة. كلما زاد عدد الأشخاص الذين يقومون بصيانة النظام، زادت الثغرات الأمنية التي يمكن للمهاجم استغلالها.

أما نقطة الضعف الثالثة فهي الاعتماد على المنتجات الخارجية وخدمات الحوسبة السحابية. قد تعتقد دولة ما أنها أنشأت مستودعًا إلكترونيًا، ولكن إذا كانت العناصر الحيوية في أيدي مزودين أجانب، وإذا كانت التحديثات والتراخيص والإدارة والتحليلات والنسخ الاحتياطية تعتمد عليهم جميعًا، فإنها لا تتمتع بالسيادة الكاملة.

في مرحلة ما، قد يتوقف النظام عن العمل، وقد تصبح البيانات غير قابلة للوصول، وقد تسيطر دولة أخرى عليه.

وأخيرًا، تكمن الأهمية الأساسية للأرشيف في سلامة الوثائق ومصداقيتها. كيف لنا أن نضمن، بعد عشرين أو ثلاثين عامًا، أن الوثيقة أصلية، وأنها لم تُحرّف، وأن الشخص الذي يقف وراءها هو نفسه الشخص الذي ينبغي أن يكون وراءها؟

أكد يوري ماكسيموف أن لدينا كل ما نحتاجه هنا. لدينا تشفير موثوق يسمح بتوقيعات موثوقة. بمجرد رؤية هذا التوقيع، نعرف على وجه اليقين أنه يعود لمواطن أو منظمة أو دولة محددة. إضافةً إلى ذلك، لدينا تقنيات سجلات موزعة تضمن ثبات المحتوى بمرور الوقت وإمكانية قياس خصائصه.

باختصار، من الممكن إنشاء أرشيف تكون فيه مصادر المعلومات معروفة ومضمونة الثبات. هذا هو الأساس الذي غالباً ما يُغفل عنه في الانتقال من الورق إلى الرقمي، وينبغي ترسيخه منذ البداية.

لذا، عند الانتقال إلى التخزين الرقمي، من الضروري التفكير ليس فقط في التخزين، بل أيضاً في بنية الأمان منذ البداية. نحتاج إلى نظام يجيب على عدة أسئلة بسيطة ولكنها مهمة: هل نحن عرضة للهجمات الإلكترونية؟ هل يمكن التلاعب بالبيانات؟ هل يمكن إحداث أضرار جسيمة؟ هل يمكن استخدام التخزين للتأثير على الدولة؟ هل يمكننا مواصلة العمل إذا تعطلت أجزاء من البنية التحتية الرقمية أو تم اختراقها؟

ومرة أخرى، يكمن الحل في اتباع نهج شامل: البنية التحتية المحلية، والعاملين في الموقع، وأنظمة القياس المستمرة باستخدام أساليب القرصنة، والدوائر المستقلة، والتعاون الموثوق مع العناصر غير الموثوقة.

بالنسبة لفيتنام، كما هو الحال بالنسبة لأي دولة تقوم حاليًا برقمنة أرشيفاتها الحكومية بشكل جدي، فإن هذه فرصة لبناء البنية الصحيحة منذ البداية.

المصدر: