تفتح الهواتف الذكية التي تدمج قدرات الذكاء الاصطناعي جبهة جديدة في حرب المنصات.

تفتح الهواتف الذكية التي تدمج قدرات الذكاء الاصطناعي جبهة جديدة في حرب المنصات.
تفتح الهواتف الذكية التي تدمج قدرات الذكاء الاصطناعي جبهة جديدة في حرب المنصات.

بحسب صحيفة “لا تريبيون” الفرنسية ، يُسرّع المصنّعون الصينيون وتيرة تطوير جيل جديد من الهواتف الذكية القادرة على أداء العديد من المهام بشكل مستقل، بفضل الذكاء الاصطناعي. وإذا ما تطورت هذه التقنية بشكل كافٍ، فقد يتغير استخدام الناس للهواتف جذرياً، مما يُهدد نموذج الأعمال القائم على التطبيقات الذي هيمن على صناعة تكنولوجيا الهواتف المحمولة لما يقرب من عقدين.

في المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي (WAIC) الذي عُقد في شنغهاي نهاية الأسبوع الماضي، عرضت عدة طرازات جديدة من الهواتف الذكية توجهاً مختلفاً في هذا المجال. فبدلاً من مطالبة المستخدمين بفتح كل تطبيق على حدة، تستطيع هذه الهواتف “الوكيلة” التنقل تلقائياً بين الخدمات الرقمية لتلبية الطلبات المُعطاة عبر الأوامر.

قد يصبح طلب سيارة أجرة، أو توصيل الطعام، أو مقارنة أسعار المنتجات، أو إرسال الرسائل النصية باستخدام الأوامر الصوتية فقط، مهامًا تُنجزها أنظمة الذكاء الاصطناعي قريبًا. لم يعد المستخدمون بحاجة إلى تذكر التطبيقات التي تقدم الخدمات المختلفة، فكل ما عليهم فعله هو قول ما يريدون، وسيقوم الذكاء الاصطناعي تلقائيًا بالبحث والاختيار وتنفيذ الخطوات اللازمة.

يسعى العديد من المصنّعين الصينيين إلى جعل الذكاء الاصطناعي نقطة انطلاق تجربة استخدام الهواتف الذكية. فقد طرحت شركة نوبيا هاتف NaviX Ultra، الذي يضمّ مساعدًا صوتيًا تفاعليًا من تطوير شركة ByteDance، الشركة الأم لتطبيق TikTok. وكشفت شركة Honor عن “الهاتف الآلي”، المزوّد بوكلاء ذكاء اصطناعي وكاميرات آلية قادرة على التفاعل مع المستخدمين. وفي الوقت نفسه، أعلنت شركة StepFun الناشئة عن هاتف STEPX Neo، المصمم حول مساعد ذكي.

القاسم المشترك بين هذه المنتجات هو الطموح إلى وضع الذكاء الاصطناعي في صميمها، وتقليص دور التطبيقات التقليدية تدريجيًا. نظريًا، لم يعد المستخدمون بحاجة إلى فتح تطبيق فعليًا لحجز رحلة أو إجراء عمليات شراء أو دفع. يمكن أن يصبح وكيل الذكاء الاصطناعي الواجهة الموحدة التي تربط المستخدمين بمنظومة الخدمات الرقمية بأكملها.

هذا الاحتمال بالذات يثير قلق المنصات الكبرى. فبعد أيام قليلة من إطلاق أول هاتف ذكي مزود بخدمة دوباو، قامت شركات علي بابا وتينسنت وجي دي دوت كوم بتقييد وصول المساعد الذكي إلى تطبيقاتها. وقد حدّت هذه الخطوة بشكل كبير من بعض الميزات الآلية، لا سيما المدفوعات وعمليات المنصة.

وراء هذا الصدام تكمن قضية استراتيجية أوسع بكثير من مجرد التوافق التقني. فإذا أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي وسيطة بين المستخدمين والخدمات الرقمية، فإن المنصات تخاطر بفقدان السيطرة المباشرة على العملاء والبيانات وجزء من الإيرادات. وعلّقت كيرانجيت كور، مديرة الأبحاث المرتبطة في مؤسسة IDC، قائلةً: “إنها تفقد السيطرة لصالح طرف ثالث”.

مع ذلك، يتجه التنافس أيضاً نحو نهج أكثر تعاوناً. فبحسب وسائل الإعلام التقنية الصينية، ستُعطي النسخة الجديدة من NaviX Ultra الأولوية للعمل مع التطبيقات الحالية بدلاً من محاولة تجاوزها أو استبدالها بالكامل. وقد يكون هذا هو السبيل الذي يسعى به المصنّعون لتحقيق التوازن بين طموحاتهم في تطوير الذكاء الاصطناعي ومقاومة المنصات الكبرى.

لا يقتصر التنافس على الصين وحدها. فشركة جوجل تُطوّر المزيد من ميزات الذكاء الاصطناعي على نظام أندرويد، بينما طرحت شركة “برين تكنولوجيز” الأمريكية الناشئة هاتفًا مزودًا بتقنية الذكاء الاصطناعي الطبيعي في السوق اليابانية من خلال شراكة مع شركة سوفت بنك. ومع ذلك، لا تزال العروض التجريبية الحالية تُظهر بعض القيود، مما يُشير إلى أن هذه التقنية ليست مستقرة بما يكفي لتحل محل استخدام الهواتف الذكية بشكل كامل.

بحسب الخبراء، لم تتمكن أي شركة من تحقيق التفوق الحقيقي في هذا السباق الجديد. لكن السؤال الأهم ليس أي شركة مصنعة للهواتف ستبيع أجهزة أكثر.

إذا أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي موثوقة بما يكفي لتحل محل المستخدمين في أداء المهام اليومية، فقد يشهد اقتصاد تطبيقات الهواتف المحمولة تحولاً جذرياً. فعلى مدى عشرين عاماً تقريباً، سيطرت المنصات الكبرى على المستخدمين من خلال تطبيقات تُعدّ بمثابة بوابات إلى عالم الخدمات الرقمية. وفي المستقبل، قد تُستبدل هذه البوابة بمساعد محادثة واحد.

عند هذه النقطة، ستُعاد توزيع السلطة بين مُصنّعي الهواتف الذكية، وشركات تطوير الذكاء الاصطناعي، وشركات التكنولوجيا التي تُسيطر حاليًا على المنصات. وبالتالي، لن تكون المعركة الجديدة مجرد سباق لإنتاج هاتف ذكي أكثر ذكاءً، بل صراعًا للسيطرة على الواجهة المركزية بين الناس والاقتصاد الرقمي برمته.

المصدر: