في عصر الصراعات الجديد، لم يعد أمن الطاقة مجرد عامل دعم لوجستي، بل أصبح جبهة قتال مباشرة. ووفقًا للبروفيسور بوعز جولاني من معهد التخنيون للتكنولوجيا (إسرائيل)، تُعتبر المرونة الاستراتيجية لنظام الطاقة الآن رابع أهم معيار، على قدم المساواة مع التكلفة والموثوقية والاستدامة البيئية.
تسليح البنية التحتية للطاقة في النزاعات الحديثة.
شهد التاريخ العسكري حملات بحثاً عن الموارد، وأبرزها حملة النازيين على حقول النفط في القوقاز عام 1942. ومع ذلك، في الصراعات الحالية، أصبحت البنية التحتية للطاقة هدفاً مباشراً للتدمير بهدف تقويض القدرات القتالية وقدرة العدو على الصمود.
تُظهر البيانات الواقعية من ساحة المعركة الأوكرانية هذا التوجه بوضوح. فبحلول أغسطس/آب 2025، تعرضت منشآت الطاقة الأوكرانية لأكثر من 2900 هجوم. في المقابل، وسّعت أوكرانيا نطاق هجماتها لتشمل شبكة النفط والغاز الروسية. وتشير الإحصاءات إلى تعرض 21 مصفاة نفط روسية رئيسية من أصل 38 لهجمات منذ بداية عام 2025. وتُظهر أحداثٌ مثل تخريب خط أنابيب نورد ستريم أن منشآت الطاقة، حتى تلك البعيدة عن خطوط المواجهة، لا تزال أهدافًا سهلة المنال ذات قيمة استراتيجية عالية.
المعوقات الاستراتيجية وحدود التصعيد.
لا يقتصر دور الطاقة على توسيع نطاق ساحة المعركة فحسب، بل يشكل أيضاً رادعاً لتصعيدها. ويُعدّ مضيق هرمز مثالاً بارزاً على نقطة اختناق عالمية في مجال الطاقة. فمع مرور ما يقارب 20.9 مليون برميل من النفط عبره يومياً خلال النصف الأول من عام 2025، فإن أي اضطراب فيه قد يُؤدي إلى صدمة اقتصادية عالمية.
يتطلب مهاجمة البنية التحتية للطاقة لدى الخصم دراسة متأنية للعواقب المحتملة. فقد يؤدي هجوم واسع النطاق إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد، والإضرار بالحلفاء، وتعقيد العلاقات الدبلوماسية متعددة الأطراف. ولذلك، غالباً ما يُلتزم بضبط النفس لتجنب انهيار كامل لشبكة التجارة العالمية.
قد يعجبك أيضاً
سباق الطاقة في عصر الذكاء الاصطناعي
لا ينبع الضغط الحالي على الطاقة من الاحتياجات العسكرية فحسب، بل أيضاً من سباق تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يصل استهلاك مراكز البيانات من الكهرباء إلى 950 تيراواط/ساعة بحلول عام 2030. وفي الولايات المتحدة، من المتوقع أن تستهلك مراكز البيانات من الكهرباء أكثر مما تستهلكه جميع الصناعات الثقيلة مجتمعة.

لضمان إمدادات الطاقة، تُجبر شركات التكنولوجيا الكبرى على تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة. وقد بدأت شركات مايكروسوفت وجوجل وأمازون باستثمارات ضخمة في الطاقة النووية، بما في ذلك إعادة تشغيل المفاعلات القديمة وتطوير مفاعلات معيارية صغيرة. ويمثل هذا تحولاً هاماً حيث تشارك الكيانات الخاصة بشكل مباشر في تأمين البنية التحتية الوطنية للطاقة.

الاستراتيجية النووية: نموذجان، وجهة واحدة
تتبع الصين والولايات المتحدة مسارين مختلفين لتحقيق أهداف أمن الطاقة. تعتمد الصين نموذجاً مركزياً مُخططاً من قبل الدولة، حيث تُنفذ أكبر برنامج توسعة للطاقة النووية المدنية في العالم. وبحلول نهاية عام 2024، استحوذت الصين على ما يقرب من 46% من المفاعلات النووية قيد الإنشاء على مستوى العالم.
في غضون ذلك، تعتمد الولايات المتحدة على ضغوط السوق واستثمارات القطاع الخاص. ورغم اختلاف نهجيهما، تُقرّ كلتا القوتين العظميين بأنّ قدرة إنتاج الكهرباء واستقرار الشبكة هما المعيار الجديد للقوة الوطنية. كما تعمل دول أخرى، مثل اليابان، بنشاط على نشر حلول الطاقة الموزعة، كتركيب ألواح الطاقة الشمسية في القواعد العسكرية لتعزيز اكتفائها الذاتي.
قد يعجبك أيضاً

بشكل عام، تتضمن أربعة أسئلة رئيسية لتقييم المرونة الاستراتيجية لأي دولة ما يلي: هل يمكن لمصدر الطاقة العمل في زمن الحرب؟ هل يمكن للوقود تحمل اضطرابات النقل؟ هل يمكن للنظام الصمود أمام الهجمات الإلكترونية والصاروخية؟ وهل التعافي من الأعطال سريع بما فيه الكفاية؟ ستحدد الإجابات على هذه الأسئلة موقع كل دولة في عصر سباق التسلح في مجال الطاقة.
المصدر:

