Published On 22/7/2026
|
آخر تحديث: 12:26 (توقيت مكة)
لم يعد تتويج إسبانيا بكأس العالم 2026 مجرد لقب جديد يضاف إلى خزائن الاتحاد الإسباني، بل بات دليلا على حقبة غير مسبوقة من الهيمنة الكروية، تمتد من منتخبات الفئات السنية إلى المنتخبين الأولين للرجال والسيدات، في مشروع متكامل جعل “لا روخا” القوة الأبرز في كرة القدم العالمية.
وبعد عامين فقط من إحراز بطولة أوروبا 2024، كررت إسبانيا سيناريو جيلها الذهبي، عندما توجت بكأس العالم للمرة الثانية في تاريخها بفوزها على الأرجنتين بهدف نظيف في نهائي مونديال 2026، لتعيد إلى الأذهان إنجاز عام 2010 الذي جاء أيضا بعد عامين من الفوز بيورو 2008.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
إنجاز تاريخي غير مسبوق
لم يقتصر النجاح الإسباني على المنتخب الأول للرجال، إذ أصبحت إسبانيا أول دولة في التاريخ تجمع في الوقت نفسه بين لقبي كأس العالم للرجال والسيدات، بعدما توج المنتخب النسائي بمونديال 2023 إثر فوزه على إنجلترا في النهائي بمدينة سيدني.
كما واصل المنتخبان حصد الألقاب خلال السنوات الأخيرة، إذ فاز رجال إسبانيا بدوري الأمم الأوروبية عام 2023 والميدالية الذهبية في أولمبياد باريس 2024، بينما أحرز المنتخب النسائي لقب دوري الأمم في نسختي 2024 و2025.
والحصيلة الإجمالية تبدو أكثر إبهارًا، إذ توجت المنتخبات الإسبانية، من فئة تحت 17 عامًا وحتى المنتخب الأول، بـ16 لقبا عالميا وأوروبيا خلال الفترة بين 2022 و2026.
آلة إسبانية لحصد الألقاب
كرة القدم النسائية (11 لقبا)
- كأس العالم: 2023.
- دوري الأمم الأوروبية: 2024 و2025.
- كأس العالم تحت 20 عامًا: 2022.
- بطولة أوروبا تحت 19 عامًا: 2022 و2023 و2024 و2025 و2026.
- كأس العالم تحت 17 عامًا: 2022.
- بطولة أوروبا تحت 17 عامًا: 2024.
كرة القدم للرجال (5 ألقاب)
- كأس العالم: 2026.
- بطولة أوروبا: 2024.
- دوري الأمم الأوروبية: 2023.
- الميدالية الذهبية الأولمبية (تحت 23 عامًا): 2024.
- بطولة أوروبا تحت 19 عامًا: 2026.

دي لا فوينتي… الرهان الذي تحول إلى حقبة ذهبية
عندما عين الاتحاد الإسباني لويس دي لا فوينتي مدربًا للمنتخب الأول في ديسمبر/كانون الأول 2022، عقب الخروج من ثمن نهائي مونديال قطر أمام المغرب، لم يتوقع كثيرون أن يقود المنتخب إلى واحدة من أنجح الفترات في تاريخه.

لكن المدرب الإسباني نجح خلال أقل من أربع سنوات في قيادة “لا روخا” إلى ثلاثة ألقاب كبرى: دوري الأمم الأوروبية (2023)، بطولة أوروبا (2024)، ثم كأس العالم (2026).
وقال الصحفي والمحلل الإسباني غيليم بالاغي لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): “إنها هيمنة… أشبه بالعاصفة المثالية. لدينا ثقافة كروية واضحة والجميع يؤمن بها، والأهم أننا لا نتوقف.”
وأضاف: “هذه قمة جديدة، تمامًا كما حدث عندما فازت إسبانيا بكأس العالم 2010 بعد لقب يورو 2008، والآن كررت الأمر من جديد.”
ووصف بالاغي تعيين دي لا فوينتي بأنه كان مخاطرة كبيرة، موضحًا أن المدرب لم يسبق له تدريب أي نادٍ كبير، لكنه كان يمتلك معرفة عميقة بمنظومة المنتخبات السنية الإسبانية.
سر النجاح… مشروع يبدأ من الأكاديميات
يرى لاعب الوسط الإسباني السابق خوان ماتا أن سر قوة المنتخب الحالي يعود إلى أن دي لا فوينتي أشرف على معظم اللاعبين منذ مراحلهم السنية المبكرة.
وقال: “دي لا فوينتي يعرف أغلب هؤلاء اللاعبين منذ الأكاديميات، ونشأ معهم كفريق. هذا ليس منتخبًا للحاضر فقط، بل للمستقبل أيضا.”
ومنذ توليه المهمة، رسخ المدرب الإسباني ثقافة تقوم على احترام المنافس، والثقة في العمل الجماعي، والصبر، والهدوء.

وقبل نهائي كأس العالم، كشف دي لا فوينتي عن عقلية لاعبيه بقوله: “بعد أن فزنا بكل شيء في مختلف الفئات، سألني بعض اللاعبين: ماذا بقي لنا لنفوز به؟ وكانت إجابتنا أن الهدف التالي هو المباراة المقبلة في سبتمبر/أيلول، لأن هذا الفريق لا يعرف التوقف.”
هيمنة تمتد إلى الأندية
ولا تقتصر الطفرة الإسبانية على المنتخبات الوطنية، إذ امتد تأثيرها إلى كرة القدم الأوروبية، حيث أصبح المدربون الإسبان يشكلون ربع المديرين الفنيين الذين سيقودون أندية الدوري الإنجليزي الممتاز خلال موسم 2026-2027، في مؤشر جديد على التأثير المتزايد للمدرسة الإسبانية.
كما يدخل المنتخب الإسباني المرحلة المقبلة بسلسلة مميزة بلغت 38 مباراة متتالية دون هزيمة في مختلف المسابقات.
ثورة الكرة النسائية
ويعد صعود كرة القدم النسائية أحد أبرز أسباب النجاح الإسباني خلال السنوات الأخيرة.
فبعد مشاركة أولى في كأس العالم عام 2015، احتاج المنتخب النسائي إلى ثماني سنوات فقط لاعتلاء منصة التتويج العالمية، قبل أن يضيف لقبي دوري الأمم في عامي 2024 و2025.
وقالت اللاعبة السابقة والصحفية ماريا غاريدو: “قبل عشر سنوات لم تكن أكاديمية (لا ماسيا) تستقبل الفتيات، وكنا نتحمل تكاليف السفر بأنفسنا. أما اليوم، فقد تغير كل شيء بفضل الاستثمار في الفئات السنية والبنية التحتية، وبدأت الألقاب تتوالى.”

جيل جديد يضمن استمرار الهيمنة
وتبدو المؤشرات إيجابية لاستمرار المشروع الإسباني، في ظل بروز مجموعة من المواهب الشابة.
ففي المنتخب الأول للرجال، أصبح لامين يامال وباو كوبارسي، وكلاهما في التاسعة عشرة من عمرهما، أول مراهقَين يبدآن معًا نهائي كأس العالم، بينما أصبح يامال ثالث أصغر لاعب يشارك في النهائي بعد بيليه وجوزيبي بيرغومي.
وفي كرة القدم النسائية، تواصل فيكي لوبيز كتابة اسمها بين أبرز المواهب، بعدما توجت بدوري أبطال أوروبا ثلاث مرات مع برشلونة وهي في التاسعة عشرة، فيما تجاوزت سلمى بارالويلو 50 مباراة دولية قبل بلوغ الثالثة والعشرين.

إشادة دولية بالمشروع الإسباني
وأثنى حارس إنجلترا السابق جو هارت على أداء المنتخب الإسباني، قائلًا: “إسبانيا تمتلك أسلوب لعب لم ينجح أي منتخب في الاقتراب منه. لم يلمسهم أحد في هذه البطولة، ولم يتعرضوا إلا لعشر تسديدات على المرمى طوال كأس العالم.”
أما أسطورة فرنسا تييري هنري، فرأى أن سر النجاح لا يتعلق بجيل واحد، بل بمنظومة كاملة، مضيفًا: “يجب الإشادة بالنظام الذي بنته إسبانيا. في الماضي لم تكن تفوز بهذه الطريقة، أما الآن فهي تنتصر على جميع المستويات.”
مشروع يتجاوز جيلا واحدا
لم يعد نجاح إسبانيا مرتبطا بمجموعة من النجوم أو ببطولة واحدة، بل أصبح ثمرة مشروع طويل الأمد بدأ من الأكاديميات وامتد إلى جميع الفئات العمرية، ليجعل من “لا روخا” نموذجا عالميا في صناعة الأبطال.
وبين كأس العالم للرجال، ومونديال السيدات، والألقاب الأوروبية والأولمبية، تبدو إسبانيا اليوم أكثر من مجرد بطل للعالم… إنها الدولة التي أعادت تعريف معنى الاستمرارية في كرة القدم الحديثة.
