بناء الثقة الرقمية في عصر الذكاء الاصطناعي.

بناء الثقة الرقمية في عصر الذكاء الاصطناعي.
تبادل المندوبون الآراء في مؤتمر "الثقة الكاملة في التكنولوجيا الرقمية - صياغة المستقبل". الصورة: تيان كيم
تبادل المندوبون الآراء في مؤتمر “الثقة الكاملة في التكنولوجيا الرقمية – صياغة المستقبل”. الصورة: تيان كيم

الذكاء الاصطناعي وتداعياته

أصبح الفضاء الإلكتروني جزءًا لا يتجزأ من الحياة الاجتماعية. ومع التطور السريع للمنصات الرقمية، يُؤثر المؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعي تأثيرًا عميقًا في وعي المجتمع وسلوكه واتجاهاته. ومع ذلك، كلما زاد النفوذ، زادت المسؤولية الاجتماعية، لا سيما في ظل الذكاء الاصطناعي الذي يُسهّل إنشاء المعلومات المضللة وتعديلها ونشرها أكثر من أي وقت مضى.

كان هذا الموضوع محور نقاش بين الخبراء والمديرين وشركات التكنولوجيا ومجتمع صناعة المحتوى في مؤتمر “الثقة الرقمية – صياغة المستقبل” وحفل إطلاق نادي الثقة الرقمية في العاصمة، الذي نظمته شرطة مدينة هانوي بعد ظهر يوم 24 يوليو/تموز. وحضر المؤتمر نائب رئيس لجنة الشعب في هانوي، ترونغ فيت دونغ، إلى جانب قادة وممثلين عن الجهات الوظيفية ذات الصلة.

خلال كلمته في الفعالية، صرّح العقيد نغوين تيان دات، نائب مدير شرطة مدينة هانوي، بأنه بينما كانت الأخبار الكاذبة في السابق عبارة عن معلومات ملفقة بالكامل، أصبح بإمكان مروّجيها الآن، بدعم من الذكاء الاصطناعي، إنشاء محتوى يمزج بين العناصر الحقيقية والمزيفة، مما يصعّب على المستخدمين التمييز بينهما. وهذا هو السبب في سهولة تلاعب المعلومات المضللة بالرأي العام، وتشويه الحقيقة، وتقويض الثقة الاجتماعية.

يتجلى هذا الواقع في الأرقام اللافتة. ففي عام 2025، اكتشفت شرطة مدينة هانوي 120 قضية تتعلق بنشر أخبار كاذبة ومعلومات مضللة على الإنترنت، وتعاملت معها. وفي الأشهر الستة الأولى من عام 2026 فقط، تعاملت الشرطة مع 144 قضية، وبدأت إجراءات جنائية في قضيتين، متجاوزةً بذلك نتائج العام السابق. ومن بين القضايا النموذجية: محاكمة داو ثي تام، صاحبة حساب “داو ثانه تام” على تطبيق تيك توك، واحتجازها مؤقتًا للتحقيق معها بتهمة إساءة استخدام الحريات الديمقراطية بما يمس بمصالح الدولة والحقوق والمصالح المشروعة للمنظمات والأفراد؛ ونشرها مقاطع فيديو مشوهة ومفبركة حول أنشطة الفحص والعلاج الطبي في عدة مستشفيات بالمدينة؛ وقضية نغوين ثين هوونغ، صاحبة حساب “ها مي” على تيك توك، التي نشرت العديد من مقاطع الفيديو التي تحتوي على محتوى مفبرك ومسيء، مما انتهك الحقوق والمصالح المشروعة لمستشفى زانه بون العام ومستشفى فونغ دونغ العام.

بحسب العقيد نغوين تيان دات، لا يكمن الجانب المقلق في كمية المعلومات المضللة فحسب، بل في تأثيرها أيضاً. فالمقال أو الفيديو أو البث المباشر الذي يحمل رسالة إيجابية قد يُضيف قيمة للمجتمع، لكن حتى معلومة واحدة خاطئة قد تُلحق ضرراً بالغاً بالوعي الاجتماعي، وتُقوّض ثقة الجمهور، وتؤثر سلباً على البيئة الرقمية.

لذا، فإلى جانب المعاقبة الصارمة على نشر المعلومات المضللة، يتطلب بناء فضاء إلكتروني آمن تضافر جهود المجتمع بأسره. وفي هذا المسعى، تلعب الهيئات التنظيمية ووسائل الإعلام وشركات التكنولوجيا والفنانون والمؤثرون الرقميون ومنشئو المحتوى دورًا محوريًا في نشر المعلومات الدقيقة والمساهمة في بناء بيئة رقمية مستدامة.

بحسب لي آنه تيان، مدير شركة فيتنام لتكنولوجيا روبوتات الدردشة المساهمة، فقد انخدع هو نفسه بالصور والأصوات المُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي. ويستغل المحتالون تقنية التزييف العميق بشكل متزايد لانتحال شخصيات المشاهير أو الأقارب أو المؤثرين في الرأي العام، وذلك للترويج للمنتجات، وارتكاب عمليات احتيال مالي، والتلاعب بثقة المستخدمين. لذا، بدلاً من تصديق المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي دون تمحيص، ينبغي على الجميع تبني عادة التحقق من المعلومات من مصادر متعددة؛ والتحقق الاستباقي من المعلومات الواردة عبر المكالمات أو الرسائل غير المعتادة المتعلقة بتحويل الأموال أو طلبات البيانات الشخصية؛ ومراقبة أي علامات غير عادية في الصور والأصوات ومقاطع الفيديو بدقة لتحديد مخاطر انتحال الشخصية المحتملة.

قد يعجبك أيضاً

ماذا تقول وزارة البناء بشأن التسارع المفرط عند فحص السيارة؟
بدأت كوريا الجنوبية بتطبيق القوانين ضد الأخبار الكاذبة.
ما هو "دماغ الفشار"؟

ما هو “دماغ الفشار”؟إن مصطلح “دماغ الفشار” – وهو مصطلح يشير إلى التشتت، وقلة التركيز، وعدم الاكتراث بالعالم المحيط بهم – يسبب قلقًا لكثير من الناس، وخاصة الآباء.

يوصي السيد لي آنه تيان المؤسسات والشركات بتعزيز الحلول التقنية، مثل استخدام بيئات الاختبار المعزولة (Sandboxes) لفحص الملفات قبل فتحها، للحد من خطر تسلل البرامج الضارة إلى النظام. ومع ذلك، يبقى العامل الأهم هو طريقة التفكير عند استخدام التكنولوجيا. ينبغي على الجميع التساؤل دائمًا عن مصدر المعلومات، والغرض منها، وموثوقيتها قبل الوثوق بها أو مشاركتها.

كلما زاد النفوذ، زادت المسؤولية.

إلى جانب التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، يعتقد الخبراء أن الضغط للتنافس على السرعة والتفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي يدفع العديد من صناع المحتوى والمؤثرين وقنوات التعليق الإخباري إلى تجاهل مرحلة التحقق من الحقائق. وهذا يزيد من خطر انتشار المعلومات المضللة إلى ملايين المتابعين في وقت قصير جدًا.

من وجهة نظر شركة تقنية، صرّح نغوين دانغ نغوك، نائب المدير العام لشركة VCCorp المساهمة، بأن VCCorp، بخبرتها التي تمتد لما يقارب 20 عامًا في قطاع التكنولوجيا، تُدرك تمامًا دور المنصات الرقمية في نشر المعلومات. ومع ذلك، لا يقتصر الأمر على سرعة النشر أو نطاقه فحسب، بل يشمل أيضًا القيمة التي تُضيفها المعلومات، والفئات المتأثرة بها، وكيفية تأثيرها على المجتمع. ويعتمد هذا إلى حد كبير على خيارات ومسؤوليات مُنشئي المحتوى.

بحسب السيد نغوين دانغ نغوك، فإن مسؤولية المؤثرين والإعلاميين أكبر بكثير، لأن كل محتوى ينشرونه قد يصل إلى ملايين الأشخاص. ولا يقتصر دور هذا المحتوى على نشر المعلومات فحسب، بل يساهم أيضاً في تشكيل التصورات والتأثير على نفسية وسلوك الجمهور في الفضاء الإلكتروني.

تتفق ملكة الجمال لونغ ثوي لينه مع الخبراء في الرأي، إذ ترى أن التأثير في العصر الرقمي لا يقتصر على كونه فرصة للتواصل مع الجمهور، بل يرافقه أيضاً مسؤولية اجتماعية متزايدة. فكل متابع على وسائل التواصل الاجتماعي يمثل ثقة المجتمع في صانع المحتوى، وهذه الثقة تستلزم دراسة كل منشور، وكل تصريح، وكل محتوى يتم مشاركته بعناية فائقة.

يمكن اعتبار التأثير في الفضاء الإلكتروني “امتيازًا”، لكن هذا الامتياز لا يكون ذا قيمة حقيقية إلا عند استخدامه بمسؤولية. لذا، لا يقتصر دور المؤثرين على إنشاء محتوى جذاب فحسب، بل يشمل أيضًا ضمان دقته، واحترام حقوق الملكية الفكرية، والامتثال للقوانين ومعايير السلوك على الإنترنت. فكل محتوى إيجابي يُنشر يُسهم في تعزيز ثقة المجتمع. في المقابل، قد تترتب على معلومة واحدة غير موثقة عواقب وخيمة.

نشر الإيمان من خلال القيم الإيجابية.

خلال المناقشات، ومن وجهات نظر الهيئات التنظيمية وخبراء الأمن السيبراني والفنانين والمؤثرين وصناع المحتوى، برزت رسالة مشتركة أكد عليها العديد من المندوبين: بناء الثقة في الفضاء السيبراني لا يعتمد فقط على إجراءات الإنفاذ، بل يتطلب جهداً جماعياً من المجتمع بأكمله. في هذا السياق، لا يقتصر دور الشخصيات المؤثرة التي تحظى بملايين المتابعين على نشر المعلومات فحسب، بل هم أيضاً “حاملو ثقة”، يساهمون في تشكيل ثقافة السلوك في البيئة الرقمية.

انطلاقاً من هذا الإجماع، اعتُبر إطلاق شرطة مدينة هانوي لنادي الثقة الرقمية للعاصمة حدثاً بارزاً في المؤتمر. لا يقتصر هذا النشاط على ربط وكالات الإدارة بالفنانين والمؤثرين الرقميين وصناع المحتوى الرقميين ومجتمع صناعة المحتوى فحسب، بل يُمثل أيضاً تحولاً في نهج حماية الفضاء الإلكتروني. فبينما كان التركيز سابقاً ينصبّ بشكل أساسي على كشف الانتهاكات والتعامل معها، توسّع الهدف الآن ليشمل الوقاية المبكرة، ورفع مستوى الوعي القانوني، ونشر ثقافة السلوك الحضاري، وتبادل المهارات لضمان أمن المعلومات، وتكوين مجتمع يعمل معاً من أجل بيئة رقمية آمنة وجديرة بالثقة.

انطلاقاً من هذا الفهم، تُعرب الآنسة لونغ ثوي لينه عن تقديرها البالغ لإنشاء نادي الثقة الرقمية للعاصمة من قِبل شرطة مدينة هانوي. ووفقاً لها، لا يُعد هذا النادي مجرد إنجاز هام في مجال التواصل فحسب، بل يُمثل أيضاً “نظام دعم” للفنانين والمؤثرين الرقميين وصناع المحتوى، لتمكينهم من التعاون مع وكالات الإدارة، وتحديث معارفهم القانونية ومهاراتهم في مجال السلامة الرقمية، وتبادل الخبرات في العمل ضمن البيئة الإلكترونية.

في ظل تزايد مخاطر المعلومات المضللة نتيجةً لتقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق، يُتوقع أن يُسهم تأسيس نادي “كابيتال ديجيتال تراست” في بناء مجتمع من الشخصيات المؤثرة التي تتشارك التزامًا راسخًا بالعمل المسؤول في الفضاء الإلكتروني. ولا يقتصر دور النادي على كونه منصةً للتواصل وتبادل الخبرات والدعم المتبادل، بل يُشكّل أيضًا جسرًا يربط بين الهيئات التنظيمية وشركات التكنولوجيا والمنصات الرقمية ومجتمع صناعة المحتوى، وذلك بهدف تحديث اللوائح القانونية، وتقديم إنذارات مبكرة بالمخاطر، ونشر القيم الإيجابية، وبناء ثقافة سلوكية حضارية في البيئة الرقمية.

المصدر: