التنافس الطويل الأمد بين إنجلترا والأرجنتين
إنها منافسة عريقة امتدت على مدى ستة عقود تقريبًا، متشابكة مع الذكريات والجدل والمشاعر، حيث خلقت كرة القدم مرارًا وتكرارًا لحظات تتجاوز حدود مجرد مباراة رياضية . قائد يرفض مغادرة الملعب بعد طرده، هدف “يد الله” الشهير في التاريخ، هدف يُعتبر الأعظم على مر العصور، دموع ديفيد بيكهام، ورحلته المذهلة نحو التعافي بعد ذلك.
لكل جيل من المشجعين روايته الخاصة عن المباراة بين إنجلترا والأرجنتين.
يتذكر البعض قفزة دييغو مارادونا العالية فوق بيتر شيلتون ليسجل هدف “يد الله”. ويتذكر آخرون انطلاقة مايكل أوين الخاطفة عبر دفاع الأرجنتين في سانت إتيان، قبل أن تُغير البطاقة الحمراء لديفيد بيكهام مجرى المباراة. أما بالنسبة للأجيال الشابة، فستكون مباراة نصف النهائي يوم الخميس أول فصل في كأس العالم يجمع بين فريقين شاهدوهما وعاشوا تجربتهما عن كثب.
ولأول مرة في التاريخ، سيكون ليونيل ميسي الشخصية المحورية في تلك المواجهة.
لقد تغلب الفائز بالكرة الذهبية ثماني مرات على جميع التحديات التي واجهته في كرة القدم الدولية تقريباً على مدار العقدين الماضيين. ومع ذلك، ومن الغريب، أن المنتخب الإنجليزي لا يزال الحلقة المفقودة في قصته الأسطورية.
والآن، مع وجود تذكرة التأهل لنهائي كأس العالم 2026 على المحك، فإن أكثر المنافسات أهمية تاريخياً في عالم كرة القدم لديها أخيراً شخصية مركزية جديدة: ميسي.
بالطبع، ميسي ليس سوى أحدث الأسماء، وليس أولها. لم تبدأ هذه القصة معه، ولا مع دييغو مارادونا. على مدى ستين عامًا تقريبًا، كتبت إنجلترا والأرجنتين معًا أحد أعظم فصول تاريخ كرة القدم العالمية، حيث تداخلت السياسة بالرياضة مرارًا، وتحولت الخلافات إلى أساطير، وتركت كل مباراة في كأس العالم حكايات تناقلتها الأجيال.

بدأ كل شيء في ملعب ويمبلي عام 1966.
مهّد فوز إنجلترا 1-0 في ربع النهائي الطريق أمامها للفوز بلقبها الوحيد في كأس العالم. إلا أن تلك المباراة لا تزال عالقة في الأذهان بسبب البطاقة الحمراء المثيرة للجدل التي مُنحت لقائد الأرجنتين، أنطونيو راتين. فبعد أن بدا راتين غير متأكد من قرار الحكم الألماني بسبب حاجز اللغة، رفض مغادرة الملعب، بل وجلس بوقاحة على السجادة الحمراء المخصصة للملكة إليزابيث الثانية.
بعد المباراة، وصف مدرب إنجلترا، ألف رامزي، لاعبي الأرجنتين بـ”الوحوش” ومنعهم من تبادل القمصان مع خصومهم. في المقابل، في الأرجنتين، لُقّبت هذه الهزيمة بـ”سرقة القرن”، وهو استياء مرير استمر لعقود. ومن المفارقات أن الفوضى التي أحاطت بطرد أنطونيو راتين ساهمت في إدخال الفيفا لنظام البطاقات الصفراء والحمراء بعد أربع سنوات فقط.
ثم اصطدمت كرة القدم بالتاريخ.
حوّلت حرب جزر فوكلاند (مالفيناس) عام 1982 منافسة رياضية حامية الوطيس إلى مواجهة ذات دلالات أعمق بكثير. حصد هذا الصراع الذي استمر 74 يوماً أرواح أكثر من 900 شخص، تاركاً ندوباً نفسية عميقة على جانبي جنوب المحيط الأطلسي.

قد يعجبك أيضاً
لذلك، عندما التقت إنجلترا والأرجنتين مرة أخرى في كأس العالم 1986، لم يكن من الممكن أن تكون مجرد مباراة عادية في ربع النهائي.
في أربع دقائق لا تُنسى فقط في ملعب أزتيكا، خلق دييغو مارادونا أعظم مفارقة في تاريخ كرة القدم.
كان الهدف الأول هو هدف “يد الله”، عندما استخدم يده لتمرير الكرة من أمام بيتر شيلتون دون أن يلاحظ الحكم ذلك.
ما تلا ذلك كان عبقرية خالصة. راوغ دييغو مارادونا من منتصف ملعبه، متجاوزاً خمسة لاعبين إنجليز، ثم تغلب على بيتر شيلتون قبل أن يسجل الهدف الذي أشاد به الاتحاد الدولي لكرة القدم لاحقاً باعتباره “هدف القرن”.
بعد سنوات، اعترف دييغو مارادونا بأن النصر كان بمثابة انتقام رمزي لحرب الفوكلاند. وكتب في سيرته الذاتية أن الفوز على إنجلترا “كان بمثابة هزيمة دولة بأكملها، وليس مجرد فريق”.

الشخصية التالية في هذه المنافسة هي ديفيد بيكهام.
شهدت بطولة كأس العالم 1998 في فرنسا مباراة كلاسيكية أخرى. كان من المفترض أن يكون ركض مايكل أوين الفردي المذهل اللحظة الأبرز في تاريخ إنجلترا، لكنه طغى عليه رد فعل ديفيد بيكهام على دييغو سيميوني، والذي أسفر عن طرده بالبطاقة الحمراء.
مع وجود 10 لاعبين فقط على أرض الملعب، قاتلت إنجلترا بشجاعة قبل أن تستسلم في ركلات الترجيح، وعاد ديفيد بيكهام إلى الوطن كهدف للانتقادات الوطنية.
لكن كرة القدم تعرف دائماً كيف تعيد كتابة قصتها بنفسها.
بعد أربع سنوات، في سابورو باليابان، سجل ديفيد بيكهام بهدوء ركلة جزاء ليساعد إنجلترا على الفوز على الأرجنتين 1-0، مما ضمن لهم مكانهم في الدور التالي وفي الوقت نفسه أقصى منافسيهم اللدودين من البطولة.
في غضون أربع سنوات فقط، تحول ديفيد بيكهام من “شرير قومي” إلى “بطل قومي”.
ثم حدث شيء غير متوقع.

على مدى 24 عاماً، لم تشهد بطولة كأس العالم مواجهة أخرى بين إنجلترا والأرجنتين. تُعاد اللحظات القديمة باستمرار، وتُناقش، وتُستذكر، لكن لا تُخلق ذكريات جديدة.
حتى الآن.
بعد مرور أربعة وعشرين عاماً على إتمام ديفيد بيكهام لمرحلة التعافي في اليابان، ستلتقي إنجلترا والأرجنتين مرة أخرى في نصف النهائي، وستكون الجائزة هي تذكرة إلى نهائي كأس العالم.
هذه المرة، ستتجه الأنظار كلها إلى ليونيل ميسي، الذي يدخل أخيراً أطول فصل غير مكتمل في تاريخ كرة القدم العالمية.
سيُردد المشجعون الأرجنتينيون مجدداً أغنية “موتشاتشوس” – وهي أغنية تُكرّم مارادونا وميسي، وتُخلّد ذكرى الجنود الذين سقطوا في حرب الفوكلاند. في المقابل، يعتقد المنتخب الإنجليزي أن الجيل الحالي قادر على كتابة فصل جديد يُخلّد في الذاكرة بانتصاراته، لا بآلام الماضي.
رحل دييغو مارادونا. واعتزل بيكهام منذ زمن طويل. وخفّت حدة التوترات السياسية بين البلدين، وتغيّر الملعب.
ومع ذلك، هناك بعض المواجهات التي لن تفقد رونقها أبداً.
لأنه كلما التقت إنجلترا بالأرجنتين في كأس العالم، فإن التاريخ لا يطوي صفحة الماضي.
يدخل الملعب دائماً قبل ظهور اللاعبين.
المصدر:
