| أصبح ميسي هدفاً للانتقادات بعد هزيمة الأرجنتين في نهائي كأس العالم . |
بعد فوز إسبانيا على الأرجنتين في نهائي كأس العالم لكرة القدم 2026 في 20 يوليو، لم يخصص جزء من مشجعي كرة القدم وقتًا للاحتفال بالأبطال الجدد، بل انضموا بدلاً من ذلك إلى السخرية من ليونيل ميسي وحتى إهانته بفرح.
بعد 120 دقيقة من العجز أمام إسبانيا، ذرف ميسي الدموع وهو يشاهد آلاف المشجعين الأرجنتينيين المتحمسين يهتفون باسمه رغم الهزيمة. لكن بالنسبة لملايين من منتقدي ميسي، أو بالأحرى، مؤيدي كريستيانو رونالدو ، كانت هذه فرصة سانحة لتوجيه أقذع الإهانات إليه، واصفين إياه بـ”المحتال” و”الفاشل” و”القزم عديم الفائدة” و”المنافق” و”المحمي من قبل الفيفا”…
بالطبع، لم تكن هذه تعليقات تحليلية لكرة القدم، بل كانت بالأحرى تفريغًا لغضب مكبوت منذ بداية كأس العالم 2026، لا سيما بعد خروج رونالدو والبرتغال من البطولة. فقد وجدوا، في غياب فرحة انتصار نجمهم المفضل، فرصة للتشفي والابتهاج بهزيمة لاعب يكرهونه.
بالنسبة للمشجعين المتعصبين، لا وجود للمنطق، وتسيطر العواطف على كل الأفعال والأقوال. في الواقع، أنهى ميسي كأس العالم 2026 برصيد 8 أهداف و4 تمريرات حاسمة، ليصبح ثاني أفضل هداف في تاريخ البطولة، ويحمل الرقم القياسي في التمريرات الحاسمة.
تُظهر الإحصائيات الرسمية من عام 1966 أيضًا أن ميسي يحتل المرتبة الأولى في تاريخ كأس العالم في العديد من المقاييس مثل عدد الفرص الواضحة التي صنعها (24)، والأهداف المتوقعة (19.6)، والتمريرات الحاسمة المتوقعة (11.1)، وعدد التمريرات الدقيقة في الثلث الأخير من الملعب (639)، وعدد التمريرات الدقيقة داخل منطقة جزاء الخصم (236)، وعدد العرضيات الدقيقة (40)، وعدد المراوغات الناجحة (137)، وإجمالي عدد التسديدات على المرمى (64)…
تشويه كل منطق.
في المباراة النهائية، استحقت الأرجنتين الخسارة أمام إسبانيا المتفوقة عليها فنياً وتكتيكياً. كان ميسي معزولاً وغير قادر على إظهار سحره الكروي. لكن هذه الهزيمة لا تنفي حقيقة أن ميسي، في سن التاسعة والثلاثين، قدّم أداءً استثنائياً في كأس العالم، فاق كل التوقعات في عالم كرة القدم.
| لقد تجاوز الجدل الدائر حول ميسي ورونالدو حدود كرة القدم الاحترافية منذ فترة طويلة. |
لكن بالنسبة للمعارضين، أصبحت تلك الهزيمة فرصة للإعلان: “لقد أعيد فتح النقاش بين ميسي ورونالدو، من هو الأفضل؟”، وأن “رونالدو لم يخسر أي نهائي كقائد للمنتخب البرتغالي”، وأن “رونالدو سجل ضد إسبانيا في نهائي دوري الأمم الأوروبية، لذلك فهو أعظم من ميسي”، أو “لو كان لدى رونالدو زملاء جيدون، لكان فاز بكأس العالم منذ زمن طويل”…
قد يعجبك أيضاً
هذا ليس ردًا على الحجة، بل هو تحريف للتاريخ والمنطق. يتجاهلون حقيقة أن دوري الأمم الأوروبية مجرد بطولة ودية لا تأخذها الأندية الأوروبية الكبرى على محمل الجد. وينسون أن رونالدو لم يقدم أداءً مقنعًا في كأس العالم، وخاصة في كأس العالم 2026، حيث سيضم المنتخب البرتغالي فريقًا قويًا يضم العديد من النجوم العالميين…
اتهموا ميسي بلا أساس بـ”الغش” و”شراء الحكام” و”حماية الفيفا له” للتقليل من شأن فوز الأرجنتين بكأس العالم 2022، بينما أشادوا برونالدو ووصفوه بـ”النزيه” و”الأخلاقي” و”الذي يحارب فساد الفيفا بمفرده”… دون أن يتذكروا أن رونالدو كان مشهورًا بالتمثيل للحصول على ركلات جزاء قبل ظهور تقنية الفيديو المساعد للحكم (VAR). كما فاز ريال مدريد بالعديد من المباريات بفضل أهداف رونالدو من وضعية تسلل خلال هيمنة النادي على أوروبا من 2016 إلى 2018.
كشفت دراسة هاستورف وكانتريل الكلاسيكية عام 1954 عن حقيقة مثيرة للقلق بشأن الإدراك البشري. فقد عرض عالما النفس على طلاب جامعتي برينستون ودارتموث نفس التسجيل المصور لمباراة كرة قدم متوترة بين الجامعتين.
كانت النتائج مفاجئة: فقد “رأى” طلاب جامعة برينستون فريق دارتموث يرتكب أكثر من ضعف عدد الأخطاء التي ارتكبها طلاب دارتموث. كانت المباراة نفسها، لكن كل فريق شاهد نسختين مختلفتين تمامًا. هذا يُظهر كيف يمكن للولاء لفريق واحد أن يُشوّه رؤيتنا تمامًا.
وبالمثل، أوضحت عالمة النفس زيفا كوندا، في كتابها الشهير “حجة التفكير المُحفَّز” (1990)، أن البشر لا يفكرون بموضوعية. فبمجرد أن تتشكل لدينا رغبة مسبقة أو تحيز، كأن نرغب مثلاً في إثبات أن رونالدو أفضل من ميسي، فإننا لا شعورياً نقوم بتصفية المعلومات، وتطويع الحجج، ولا نقبل إلا الأدلة التي تدعم استنتاجنا المرغوب. فنحن لا نسعى إلى الحقيقة، بل إلى إيجاد طريقة لنكون “على صواب”.
| |
تُوضح الأبحاث التي أجراها دانيال وان، الخبير البارز في علم نفس مشجعي الرياضة، العواقب الخطيرة المترتبة على ذلك. ويشير وان إلى أنه كلما ازداد تعلق الشخص بلاعب أو فريق، زادت احتمالية تسامحه مع السلوك العدائي، بدءًا من التعليقات والسخرية والإهانات البذيئة على وسائل التواصل الاجتماعي، وصولًا إلى الأفعال العدوانية في الواقع. وكلما ازداد التعصب، كلما طغى الغموض على الخط الفاصل بين “الدعم” و”الهجوم”.
مستنبت سام ومنخفض الجودة
من منظور نظرية الهوية الاجتماعية التي وضعها هنري تاجفيل وجون تيرنر، يمكننا فهم جذور هذه الظاهرة بوضوح. غالبًا ما يبني الناس جزءًا من قيمتهم الذاتية واحترامهم لذاتهم على أساس المجموعة التي يدعمونها. فعندما ينتمون إلى مجموعة ما، يميلون إلى تفضيل تلك المجموعة والنظر بازدراء إلى المجموعات المعارضة.
بالنسبة للعديد من مشجعي رونالدو المتعصبين، لم يعد التأكيد المستمر على أن “رونالدو أعظم من ميسي” مجرد نقاش كروي بحت، بل أصبح وسيلة لتأكيد قيمتهم الشخصية والشعور بأنهم “أذكى” و”على صواب”.
عندما تخسر الأرجنتين مباراة، يشعرون بالرضا. إنها متعة في معاناة الآخرين. وهذا ما يجعل من السهل عليهم إطلاق العنان لأبشع الإهانات وأكثرها فظاظة وبشاعة دون أي رادع.
هذه الثقافة السامة تدمر تدريجياً مساحة الاستمتاع بكرة القدم. فكلما ارتفع مستوى التعصب، زاد الميل إلى التسامح مع أعمال العداء العنيفة، بدءاً من نشر الرسائل المسيئة على الإنترنت وصولاً إلى الأعمال المتطرفة في الواقع.
بدلاً من تحليل الأهداف المتوقعة (xG) أو عدد التمريرات التقدمية أو الأداء العام للدوري، يختار الناس إلقاء مقاطع فيديو مقتطعة وميمات تافهة على بعضهم البعض.
ليس مشجعو رونالدو وحدهم من يتصرفون بهذه الطريقة، فكثير من مشجعي ميسي أيضاً وجهوا إهانات متكررة لرونالدو بألفاظ بذيئة، وتفاخروا بهزائم البرتغال. لا يوجد طرف محق في هذه الحرب الكلامية العبثية.
يطالب مشجعو كرة القدم الحقيقيون بمعايير أكثر تحضرًا: حوار قائم على البيانات بدلًا من الانفعالات العاطفية، ونظرة شاملة بدلًا من التركيز على اللقطات غير اللائقة، واحترام بدلًا من الإهانات المبتذلة. في الواقع، لن يحتاج ميسي أبدًا لتبرير نفسه. حتى لو فشل في كأس العالم 2026، سيظل الأفضل على مر العصور، وسيظل يحمل الكأس الذهبية المرموقة. وبالمثل، لا يمكن لأحد إنكار عظمة رونالدو.
في نهاية المطاف، لا يستحق الشفقة إلا أولئك الذين “يلقون السكاكين” على وسائل التواصل الاجتماعي، لأنهم أهدروا الوقت والطاقة والمشاعر في تشهير لا معنى له ولا قيمة له، بينما كانوا في الوقت نفسه يسممون أرواحهم.
المصدر:


