ظاهرة النينيو.. في أعماق المحيط الهادئ، تتشكل أزمة بعيدة عن مرأى البشر؛ قد تمتد آثارها إلى موائد الطعام وأسعار السلع والمناخ عالميًا. العلماء يراقبون عودة “النينيو”، إحدى أكثر الظواهر المناخية تأثيرًا على الأرض، مع تحذيرات من أنها قد تكون استثنائية هذا العام، مما يهدد الأمن الغذائي العالمي ويرفع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية.

عودة قوية للنينيو والعالم في انتظار
أعلنت الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) رسمياً عن تشكُّل النينيو بعد ارتفاع درجات حرارة المياه الاستوائية بالمحيط الهادئ وتغيرات في حركة الرياح، مما يشير إلى بدء تأثير الظاهرة على الغلاف الجوي.
تحدث ظاهرة النينيو عادةً كل عامين إلى سبعة أعوام وتستمر حوالي سنة، ولكن التوقعات الحالية تشير إلى أن النينيو القادم في 2026 قد يكون أقوى من المعتاد، متوقعين وصوله إلى ذروته خلال الأشهر المقبلة.
هل يشهد العالم ظاهرة “النينيو الفائق”؟
يرى خبراء المناخ أن استمرار ارتفاع حرارة المحيطات، إلى جانب آثار التغير المناخي الناتج عن النشاط البشري، قد يدفع الظاهرة إلى مرحلة “النينيو الفائق”، وهو سيناريو نادر له تداعيات كبيرة.
التوقعات تشير إلى احتمال بنسبة 63% لتحول الظاهرة إلى حدث قوي أو شديد بحلول نهاية الخريف، مما قد يجعل عام 2027 مرشحًا ليكون الأكثر حرارة في السجلات المناخية، مع إمكانية تجاوز متوسط الاحترار العالمي لمستوى 1.5 درجة مئوية لمدى طويل.


من الفيضانات إلى الجفاف: خريطة الكوارث تمتد عبر القارات
آثار النينيو ليست محصورة في منطقة واحدة بل تُعيد رسم خريطة الطقس عالمياً. بينما قد تشهد دول مثل بيرو والإكوادور وأجزاء من شرق أفريقيا أمطارا غزيرة وفيضانات مدمرة، تواجه مناطق أخرى مثل جنوب أفريقيا وأستراليا وجنوب شرق آسيا وجنوب أمريكا موجات جفاف شديدة وحرائق غابات واسعة.
تؤثر هذه التقلبات مباشرة على الإنتاج الزراعي، مما يهدد بتراجع المحاصيل وارتفاع أسعار الغذاء عالميًا، في وقت لا تزال الأسواق تعاني من الأزمات الاقتصادية والمناخية المتلاحقة.
ظاهرة النينيو,, الأمن الغذائي في خطر
يحذر خبراء المناخ من أن أخطر ما في ظاهرة النينيو ليس الظواهر الجوية وحدها، بل التأثيرات الاقتصادية التي تتبعها. فشل موسم زراعي في دولة منتجة للحبوب قد يؤدي إلى نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار في دول تبعد آلاف الكيلومترات، لتتحول الأزمة المحلية إلى تحدٍ عالمي يؤثر على ملايين البشر.
هناك مخاوف من اضطراب الرياح الموسمية في آسيا وأفريقيا، مما قد يؤدي إلى موجات حر شديد وتراجع الموارد المائية، مهددا الأمن الغذائي في مناطق تعتمد بشكل رئيسي على الأمطار الموسمية.
دروس التاريخ تتجدد
التاريخ شاهد على قوة ظاهرة النينيو ؛ فقد ارتبطت الظاهرة بأزمات غذائية وجفاف واسع خلال القرن التاسع عشر ولعبت دوراً بارزا في موجات الجفاف والفيضانات بين عامي 2015 و2016، التي أثرت على أكثر من 60 مليون شخص عالميًا وفقًا للأمم المتحدة.


هل العالم أكثر استعدادًا اليوم الى النينيو؟
رغم توفر أنظمة إنذار مبكرة وأقمار صناعية وتقنيات متطورة، يؤكد الخبراء أن التغير المناخي يجعل مواجهة ظاهرة النينيوأكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
مع ارتفاع حرارة المحيطات وازدياد الظواهر الجوية المتطرفة وتراجع استقرار النظم الزراعية، قد يتحول النينيو إلى “العاصفة المثالية”، حيث تتزامن موجات الحر والجفاف والفيضانات مع اضطرابات في سلاسل الإمداد الغذائية والطاقة.
مستقبل ينطلق من المحيط
لهذا السبب يواصل العلماء مراقبة المحيط الهادئ باستمرار، لأن ارتفاع حرارة المياه قد يتحول إلى سلسلة أحداث تعيد تشكيل المناخ والاقتصاد والغذاء عالميًا. وبينما يبقى السيناريو النهائي غير مؤكد، فإن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة لتحديد ما إذا كانت عودة النينيو ستكون مجرد ظاهرة عابرة أم بداية لأزمة عالمية جديدة.
