بالنسبة لفرق الدول الأقل شهرة في كرة القدم، يُعدّ اللعب في مباراة تحديد المركز الثالث شرفًا. أما بالنسبة للفرق الكبرى، فعندما يتبدد حلم الفوز بالبطولة بهزيمة في نصف النهائي، تفقد كل حافزها. وتتجلى الروح القتالية بوضوح في مباريات كهذه.
كانت فرنسا مفعمة بالحماس منذ بداية كأس العالم 2026. لكن بعد هزيمتهم أمام إسبانيا في نصف النهائي، بدا لاعبون مثل كيليان مبابي، وعثمان ديمبيلي ، ومايكل أوليس، وبرادلي باركولا في حالة من الفتور. ووفقًا لصحيفة ليكيب الفرنسية، كان لاعبو “الديوك” خاملين ومحبطين، ويتدربون بفتور. والأدق من ذلك، أنهم لم يرغبوا في التفكير في مباراة تحديد المركز الثالث، إذ كان تركيزهم منصبًا على عطلتهم الصيفية لينسوا خيبة أمل الهزيمة التي مُنيوا بها قبل أيام.
لم يُخفِ ديدييه ديشامب، مدرب المنتخب الفرنسي، الأجواء الكئيبة التي سادت المباراة. فقبل مباراته الأخيرة كمدرب للمنتخب، صرّح ديشامب بأن لاعبيه فقدوا حماسهم للعب. ومع ذلك، محافظًا على احترافيته، قال ديشامب بأدب: “لا يزال علينا واجب خوض هذه المباراة. إنها ليست مباراة ودية، بل مباراة تحديد المركز الثالث في كأس العالم. يقع على عاتق اللاعبين والجهاز الفني وأنا مسؤولية بذل قصارى جهدنا لتحقيق هذا الهدف الأسمى”.
هذه المباراة أقل أهمية من الفوز بالنهائي، لكننا ما زلنا هنا. إنجلترا لا ترغب في اللعب، ونحن كذلك، لكن لا يزال لدينا جميعًا هدف واحد أسمى.
كان الوضع مماثلاً في المنتخب الإنجليزي. هاري كين، وجود بيلينجهام، وبوكايو ساكا، وديكلان رايس… جميعهم تدربوا بفتور، دون أن يبدو عليهم أي استمتاع. ومثل نظيره ديشامب، أدلى مدرب إنجلترا توماس توخيل بتصريحات رسمية للغاية، مؤكداً على المسؤولية أكثر من العزيمة.
في الواقع، حتى قبل هذه المباراة، وعلى مر التاريخ، كانت مباراة تحديد المركز الثالث في كأس العالم موضع تساؤل دائم حول ضرورتها، وتعرضت لانتقادات شديدة عندما يضطر فريقان تعرضا للهزيمة للتو إلى العودة إلى أرض الملعب مرة أخرى بمثل هذه الحالة من الإحباط والفراغ لدرجة أن الفوز أو الخسارة لم يعد مهمًا.
من الواضح أن الفيفا ليست كياناً جامداً، وهي تدرك ذلك. لكن ثمة تفصيلاً بالغ الأهمية، وهو أن الفيفا، رغم إدراكها للتداعيات المهنية، لا تنوي التخلي عن مباراة تحديد المركز الثالث في كأس العالم: فالأرباح المتوقعة من إقامة مباراة إضافية لا تزال مغرية للغاية، أو على الأقل أفضل من لا شيء.
على مدى أكثر من خمسة عقود، دأب رؤساء الفيفا جواو هافيلانج، وسيب بلاتر، والآن جياني إنفانتينو على إعطاء الأولوية لكسب المال، مستخدمين عبارات ملطفة مثل “الترويج لصورة كأس العالم”، أو “فخر اللعب في كأس العالم”، أو مصطلحات مماثلة للحفاظ على استمرار مباراة تحديد المركز الثالث بأي ثمن.
لذا، فرغم اقتراح فرنسا وإنجلترا إلغاء مباراة تحديد المركز الثالث في كأس العالم 2026، وتعبير فرق أخرى في بطولات مختلفة عن رغبات مماثلة، سيجد الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) صعوبة في تلبية هذه المقترحات. فمباراة إضافية تعني إيرادات إضافية للفيفا، ومن المرجح أن تُعطى الأولوية لهذا الأمر على الاعتبارات المهنية. إذا كان الفيفا قد اتخذ قرارًا ثابتًا كهذا، فلا داعي لإلغاء مباراة تحديد المركز الثالث في كأس العالم. دعوا المعترضين يعترضون، فالأمور ستعود إلى نصابها في نهاية المطاف!
المصدر:
