الأستاذ المشارك فو دين هوا

الأستاذ المشارك فو دين هوا
مساعد. البروفيسور الدكتور فو دينه هوا. الصورة: زن نيوز

على مدار أكثر من نصف قرن من مشاركتها في الأولمبياد الدولي للرياضيات، رسّخت فيتنام مكانتها بمئات الميداليات والعديد من الشخصيات البارزة. ولكن إذا عدنا إلى بداية تلك المسيرة، فلا يسعنا إلا أن نذكر الأستاذ المشارك الدكتور فو دينه هوا، أول فيتنامي يفوز بميدالية فضية في الأولمبياد الدولي للرياضيات، وعضو الفريق التاريخي لعام 1974.

على الرغم من وجود العديد من الخيارات، إلا أنه اختار عدم البقاء في الخارج بل عاد للمساهمة، ليصبح عالماً ومعلماً ومصدر إلهام لأجيال عديدة من الطلاب الفيتناميين، بمن فيهم البروفيسور نجو باو تشاو.

مساعد. البروفيسور الدكتور فو دينه هوا. الصورة: زن نيوز

مرشد لأجيال عديدة من الأفراد الموهوبين.

بعد إنجازه في أولمبياد الرياضيات الدولي عام 1974، أُرسل الأستاذ المشارك فو دينه هوا لدراسة الرياضيات في جامعة غرايفسفالد بجمهورية ألمانيا الديمقراطية. بعد تخرجه عام 1984، عاد إلى فيتنام وعُيّن للعمل في معهد الحوسبة والتحكم. في عام 1989، عاد إلى ألمانيا ضمن برنامج تبادل علمي في الأكاديمية الألمانية للعلوم. بعد إعادة توحيد ألمانيا، واصل أبحاثه ودافع بنجاح عن أطروحته للدكتوراه عام 1996.

pgs-vu-dinh-hoe.png
الفريق الفيتنامي في بطولة العالم البحرية 1974 (الرسمية والاحتياطية). الواقفون من اليسار إلى اليمين: هوانغ لو مينه، دانغ هوانغ ترونغ، لي توان هوا، دو كوانغ بينه، فو دينه هوا. الجالسين: نجوين كووك ثانج، فو دوك هوان، تا هونغ كوانج، نجوين با ثي. صورة أرشيفية.

على الرغم من توفر الظروف المواتية لمواصلة مسيرته البحثية في الخارج، اختار الأستاذ المشارك الدكتور فو دينه هوا العودة إلى فيتنام. وقد صرّح ذات مرة قائلاً: “منذ دراستي في ألمانيا، لم أفكر قط في البقاء هناك. في ألمانيا، توفرت لي جميع الظروف لممارسة البحث العلمي، لكنني لم أشعر بالسعادة؛ كنت أشتاق دائماً إلى وطني، فيتنام”.

عند عودته إلى وطنه، واجه منعطفاً غير متوقع في الأحداث. فبسبب التغييرات التنظيمية والإدارية في مكان عمله السابق، اكتشف أن اسمه قد حُذف من قائمة الموظفين منذ عام ١٩٩٠. هذا يعني أنه لسنوات عديدة لن يتقاضى راتباً، وسيضطر إلى إعادة بناء مسيرته المهنية من الصفر تقريباً.

في عام 2002، انتقل الأستاذ المشارك الدكتور فو دينه هوا إلى جامعة هانوي التربوية. ومن هناك، واصل تفانيه في التدريس وتدريب الطلاب وإجراء البحوث العلمية، بينما كرس أيضاً الكثير من جهوده لاكتشاف ورعاية الطلاب الموهوبين في الرياضيات.

قد يعجبك أيضاً

تسريع تنفيذ المهام العلمية والتكنولوجية والابتكارية.

إلى جانب عمله كمحاضر، أمضى سنوات عديدة في قيادة الفريق الفيتنامي في أولمبياد الرياضيات الدولي. بالنسبة له، لم يكن الأولمبياد مجرد امتحان، بل “فرصة غيرت مجرى حياته”. شارك في أولمبياد الرياضيات الدولي الفيتنامي أربع مرات بين عامي 1999 و2002، وشغل منصب نائب رئيس الوفد مرتين، ورئيس الوفد مرتين.

خلال كل رحلة، لم يكن اهتمامه منصباً على نتائج المسابقة فحسب، بل أيضاً على سلامة أعضاء الفريق. كان دائماً يذكّر طلابه بالوحدة والمحبة المتبادلة كالإخوة والأخوات في العائلة، وكان يولي اهتماماً خاصاً بوجباتهم ونومهم وصحتهم ليكونوا في أفضل حال قبل دخول قاعة الامتحان.

في عام 2012، وبصفته رئيسًا للوفد، قاد الفريق الفيتنامي للفوز بميدالية ذهبية واحدة، وثلاث ميداليات فضية، وميداليتين برونزيتين، مما أعاد فيتنام إلى قائمة أفضل 10 دول في الأولمبياد الدولي للرياضيات بعد سنوات عديدة.

على الرغم من سنوات طويلة قضاها في دراسة الرياضيات وتقديم إسهامات جليلة في التعليم والعلوم، إلا أن الأستاذ المشارك الدكتور فو دينه هوا يحافظ على أسلوب حياة بسيط ومتواضع. فبالنسبة له، لا تكمن السعادة الحقيقية في الألقاب أو الإنجازات، بل في عيش شغفه بالرياضيات بكل جوارحه ومواصلة مسيرة توجيه الأجيال القادمة.

“في الماضي، كان معلمونا يعتنون بنا بكل إخلاص، والآن سأنقل هذا الحب إلى الطلاب”، هكذا قال.

“عبقري رياضي” يتغلب على المصاعب.

وُلد الأستاذ المشارك الدكتور فو دينه هوا عام ١٩٥٥ لعائلة كبيرة تعاني من ظروف اقتصادية صعبة للغاية. كان والده يعمل في مصنع هانوي للجلود، ولكن بعد مشاركته في حرب المقاومة، سُجن على يد المستعمرين الفرنسيين، وتدهورت صحته بشكل خطير. بعد إطلاق سراحه، لم يعد قادرًا على مواصلة عمله السابق، فاضطر إلى احتراف التصوير الفوتوغرافي لكسب عيشه وإعالة أسرته.

هددت مصاعب الحياة بتعطيل تعليم الأستاذ المساعد هوا وإخوته. عندما كان الأستاذ المساعد فو دين هوا في الصفين السابع والثامن، انقطعت شقيقتاه الأكبر سناً وشقيقه الأصغر عن الدراسة تباعاً للعمل ومشاركة والديهم في إعالة الأسرة. مع ذلك، تقبّل الطالب الشاب كل الحرمان، من الكتب والملابس إلى الطعام، برغبةٍ واحدةٍ فقط هي مواصلة تعليمه.

كانت الحياة صعبة عليه، مما أدى إلى إصابته بقصر نظر حاد، لكنه افتقر لسنوات عديدة إلى الوسائل اللازمة لفحص عينيه. لم يلاحظ معلمه إلا في الصف السابع أنه بالكاد يستطيع رؤية السبورة، فأخذه إلى المنزل لمناقشة الأمر مع عائلته. بعد الفحص الأول، تبين أن نظارة فو دين هوا تحتاج إلى 7 ديوبتر.

مع ذلك، ورغم الظروف القاسية، لم تخمد موهبة هذا الطالب الفقير النادرة في الرياضيات، بل ازدهرت. ففي مسابقات التفوق الطلابي، كان فو دينه هوا يتفوق دائمًا على منافسيه بفارق كبير، ما أكسبه لقب “العبقري الرياضي”. وبصفته الطالب الأول في قسم الرياضيات المتخصص بجامعة هانوي التربوية، كان فو دينه هوا يُعتبر أيضًا أفضل طالب رياضيات في شمال البلاد آنذاك.

في عام ١٩٧٠، وبينما كان الطالب فو دينه هوا لا يزال في الصف الثامن، حقق شهرة واسعة في الأوساط الرياضية بعد أن نجح في حل مسألة نُشرت في مجلة “كفانت” (الكم) التابعة للأكاديمية السوفيتية للعلوم. كانت هذه المسألة مطروحة منذ قرابة قرن، وقد استقطبت محاولات عديدة من علماء الرياضيات حول العالم لحلها. وقد تم تحديد حل فو دينه هوا باعتباره الحل العاشر والأضخم، مختتمًا بذلك بحثًا طويلًا استمر لسنوات عديدة.

بعد أربع سنوات، في يوليو 1974، كان فو دينه هوا ضمن الفريق الفيتنامي المشارك في أولمبياد الرياضيات الدولي للمرة الأولى. قبل سفره، واجه سلسلة من التحديات الكبيرة. فبعد معاناته من التهاب الجيوب الأنفية والإرهاق العصبي، تلقى نبأ وفاة شقيقه، مما أدى إلى تدهور حالته الصحية بشكل حاد. وقبل المسابقة مباشرة، اضطر فو دينه هوا إلى دخول المستشفى لتلقي العلاج.

على الرغم من كونه يُعتبر المتسابق الأبرز في الفريق، إلا أنه لم يفز إلا بالميدالية الفضية في أولمبياد الرياضيات الدولي عام 1974. ورغم أن هذه الميدالية لم تعكس كامل إمكاناته، إلا أنها دخلت التاريخ كأول ميدالية فضية لفيتنام في أولمبياد الرياضيات الدولي، مساهمةً في إنجاز تاريخي هام تمثل في أول مشاركة للفريق الفيتنامي في أكبر ساحة فكرية عالمية لطلاب المدارس الثانوية.

المصدر: